في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الحروب تخاض بالدبابات والطائرات فحسب، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيداً وخفاء، وهو الفضاء السيبراني. ومع التداخل العميق بين إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، بدأت ملامح جيل جديد من الحروب السيبرانية في التشكل، جيل تتلاشى فيه الحدود بين الهجوم والدفاع، وبين المدني والعسكري، وبين العالمين المادي والرقمي.
كيف تعاد صياغة الحروب السيبرانية في عصر ما بعد الأمن التقليدي؟
يقول الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، إن عدد أجهزة إنترنت الأشياء المتصلة عالمياً يقدر بعشرات المليارات، تشمل الكاميرات الذكية، أنظمة المرور، الأجهزة الطبية، المصانع الذكية، وشبكات الطاقة. ورغم بساطتها الظاهرية، أصبحت هذه الأجهزة أهدافاً استراتيجية للهجمات السيبرانية بسبب اعتمادها غالباً على بروتوكولات ضعيفة وإعدادات أمان محدودة. ويشير إلى أنه لم يعد الهجوم على جهاز ذكي واحد خطراً محدوداً، بل قد يؤدي إلى تعطيل بنية تحتية كاملة، مما يسهل ما يعرف بهجمات Cyber-Physical.
وأما عن الذكاء الاصطناعي، فهو اليوم العقل المدبر خلف الكثير من أنظمة الدفاع السيبراني الحديثة، حيث يتم استخدامه في تحليل السلوكيات الشاذة والتنبؤ بالهجمات قبل وقوعها. ولكن في الجهة الأخرى، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة هجومية متقدمة، حيث تستخدم الجماعات الإجرامية والدول خوارزميات ذكية لتطوير برمجيات خبيثة وهجمات تصيد احتيالي مخصصة بدقة نفسية عالية. ويتحول الصراع إلى سباق خوارزميات، حيث يمكن أن تشكل الحوسبة الكمومية تهديداً كبيراً على نظم الأمن السيبراني التقليدية.
تدرك الدول المتقدمة أن من يمتلك التفوق الكمومي سيكون لديه القدرة على فك تشفير الاتصالات الحساسة واختراق أنظمة سيادية دون ترك أثر تقليدي، مما سيعيد رسم موازين القوى الرقمية عالمياً. ومن هنا، بدأت سباقات لتطوير ما يعرف بالتشفير ما بعد الكمي قبل فوات الأوان.
يشير اللواء طارق عطية، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إلى أنه مع تلاقي الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، يظهر مفهوم الذكاء الاصطناعي الكمي، وهو تحول تقني خطير وقوي. هذا النوع من الذكاء قادر على تحليل سيناريوهات الهجوم والدفاع في ثوانٍ واتخاذ قرارات معقدة في بيئات سيبرانية عرضة للتغيير.
ولقد أصبحنا أمام احتمال ظهور حروب سيبرانية ذاتية التشغيل، حيث تتقاتل الخوارزميات، بينما يبقى الإنسان في موقع المراقب. لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد جرائم إلكترونية، بل أصبحت أدوات جيوسياسية للتلاعب بالرأي العام وزعزعة الاستقرار.
وأشار اللواء عطية إلى أن العالم يمر بمرحلة تاريخية يعاد فيها تعريف مفهوم الأمن القومي؛ حيث لم يعد السلاح هو البندقية بل الخوارزمية، ولم يعد الميدان هو الحدود بل الشبكات. لذا، يتعين على الدول والمؤسسات الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق والحوكمة والجاهزية الشاملة. المعركة القادمة ليست لمن يملك القوة، بل لمن يملك الوعي الرقمي والتفوق التكنولوجي.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : القاهرة: محمد مخلوف ![]()
معرف النشر: MISC-050126-590

