كابوس أوروبا .. ماذا لو أغلقت واشنطن بوابة التكنولوجيا؟
في ظل تصاعد التوترات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة، وتهديد ترمب الصادم بالسيطرة على جرينلاند، يتساءل المسؤولون الأوروبيون عن أسوأ السيناريوهات الممكنة. أحدها هو إصدار أمر تنفيذي من البيت الأبيض يقطع عن المنطقة الوصول إلى مراكز البيانات أو برامج البريد الإلكتروني التي تحتاجها الشركات والحكومات لتسيير أعمالها.
مجرد التفكير في هذا الاحتمال كان كافياً لتغيير المزاج السياسي في بروكسل. حيث أشار برنار ليوتود، الشريك الإداري في شركة “بالدرتون كابيتال” الأوروبية، إلى أن “من الصعب تخيل أوروبا تعمل دون التكنولوجيا الأمريكية، لكن مجرد طرح هذا السؤال يعني أننا دخلنا مرحلة جديدة”.
هذا القلق ترجم سريعاً إلى خطوات سياسية. فقد أقر البرلمان الأوروبي قرارًا حول “السيادة التكنولوجية” يدعو إلى تفضيل المنتجات الأوروبية في المشتريات العامة، مع اقتراح تشريعات جديدة لدعم مزودي الخدمات السحابية الأوروبيين. كما تعمل المفوضية الأوروبية على إعداد قوانين جديدة تهدف إلى تقليل المخاطر الأمنية المرتبطة بالاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، وهو جدل لم يكن مطروحاً قبل أشهر قليلة فقط.
وبحسب “وول ستريت جورنال”، أكد المسؤولون الأوروبيون أن الهدف ليس القطيعة الكاملة مع التكنولوجيا الأمريكية، لكن حجم الاعتماد الحالي يوضح صعوبة المهمة. فقد أنفق العملاء الأوروبيون في عام 2024 حوالي 25 مليار دولار على خدمات البنية التحتية السحابية من شركات أمريكية كبرى، مثل “أمازون” و”جوجل” و”مايكروسوفت”، ما يمثل أكثر من 80% من السوق الأوروبية، وفقًا لشركة الأبحاث “آي دي سي”. وهذا يجعل فكرة “فك الارتباط” تكنولوجيا معقدة ومكلفة، كما أقر بذلك قادة الأعمال في منتدى دافوس.
يلقي العديد من رواد الأعمال الأوروبيين باللوم في محنة أوروبا على ثقافة تجنب المخاطر وتجزؤ السوق واللوائح المعقدة. وهذا، إلى حد كبير، السبب وراء سعي الاتحاد الأوروبي حاليًا لتخفيف بعض لوائحه الرقمية.
لكن الضغوط السياسية دفعت شركات التكنولوجيا الأمريكية نفسها إلى تقديم تنازلات. فقد أعادت “مايكروسوفت” هيكلة فروعها الأوروبية، وأنشأت كيانات تدار بالكامل في أوروبا، كما وسعت شراكاتها مع شركات محلية مثل “ساب” في ألمانيا. أما “أمازون” فأطلقت خدمة “السحابة السيادية” في أوروبا، تُدار من داخل ألمانيا وبأيد أوروبية، بينما عقدت “جوجل” شراكات محلية مشابهة في فرنسا ودول أخرى.
هذه التحركات ليست جديدة تماماً. فمسألة السيادة الرقمية الأوروبية ظهرت بعد تسريبات إدوارد سنودن عام 2013، عندما كشف عن برامج تجسس أمريكية استهدفت اتصالات وبيانات مواطنين وحكومات في جميع أنحاء العالم، بما فيها أوروبا، وعادت في 2018 مع قانون أمريكي يسمح للسلطات بالوصول إلى بيانات مخزنة خارج الولايات المتحدة. في كل مرة، تمكنت الشركات الأمريكية من احتواء الغضب الأوروبي من خلال توطين البيانات وبناء مراكز داخل أوروبا، لكنها اليوم تواجه مناخًا سياسيًا متشدداً.
تتقدم فرنسا وألمانيا في الدعوة إلى تعزيز الاستقلال التكنولوجي منذ أن بدأت إدارة ترمب تحذر القادة الأوروبيين بضرورة الانصياع للولايات المتحدة. برلين تجرب حاليًا أدوات مفتوحة المصدر بديلة لـ “مايكروسوفت” داخل مؤسسات حكومية، فيما يشجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بناء “أبطال أوروبيين” في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، عبر دعم شركات مثل “ميسترال أيه آي” مستفيدًا من الطاقة النووية الرخيصة لجذب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات.
لا تسعى أوروبا إلى الانفصال الكامل عن التكنولوجيا الأمريكية، بل إلى تقليص المخاطر والسيطرة والأمان. لكن الرسالة السياسية واضحة: الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد خيارًا، والسيادة التكنولوجية أصبحت أولوية استراتيجية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-240126-303

