كيف تتكيف الصين مع الارتفاع السريع للعيش الفردي؟
تشهد الصين تغيرًا اجتماعيًا عميقًا مع الزيادة السريعة في عدد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، وهو تحول يؤثر على أنماط الحياة ويعيد تشكيل الأسواق والمنتجات والخدمات. ومع انتشار ما يعرف بـ”اقتصاد العزلة”، بدأت تظهر حلول جديدة تهدف لتلبية احتياجات السلامة والدعم الاجتماعي والصحة النفسية لفئة متنامية من السكان.
وقد تم تسليط الضوء على هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة مع انتشار تطبيق يحمل اسمًا صادمًا هو “هل أنت ميت؟”، الذي تصدر لفترة قصيرة قائمة التطبيقات المدفوعة في الصين وفي بعض الأسواق الأخرى. يعتمد التطبيق على فكرة بسيطة تتطلب من المستخدم تأكيد سلامته يوميًا عبر زر، وفي حال عدم التفاعل لأكثر من 48 ساعة، يرسل تنبيهًا تلقائيًا إلى جهة اتصال طارئة يحددها المستخدم. ورغم إزالة التطبيق لاحقًا من متجر أبل في الصين، واستمراره عالميًا باسم “ديمومو”، فإن نجاحه أورد دلالة على حجم سوق لم يُلبّى لفترة طويلة.
يرى محللون أن الاهتمام بالتطبيق يتجاوز الجدل حول اسمه، ليعكس تحولاً بنيوياً أعمق في المجتمع الصيني، حيث يعيش ملايين الأشخاص بعيدًا عن شبكات الأسرة التقليدية، وسط ضغوط اقتصادية وتراجع الروابط الاجتماعية. ويشير باحثون إلى أن ما يحدث هو “تحوّل الشعور الجماعي بالوحدة إلى طلب هيكلي”، مؤكدين أن المخاطر المرتبطة بالوحدة، سواء على مستوى السلامة أو الصحة النفسية، لم تعد هامشية.
تظهر البيانات الرسمية حجم هذا التحول. فقد شكّلت الأسر المكونة من شخص واحد نحو 20% من سكان الصين في 2024، وتتوقع تقديرات أن ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 30% بحلول نهاية العقد الجاري، مما يعادل بين 150 و200 مليون شخص. يربط خبراء هذا الاتجاه بعوامل متنوعة تشمل شيخوخة السكان، وارتفاع تكلفة الزواج، وإعادة تعريف جيل زد لمفاهيم الزواج والعلاقات.
تُعيد هذه التحولات تشكيل أنماط الاستهلاك في الصين تدريجيًا، بدءًا من تناول الطعام في المطاعم إلى التواصل الاجتماعي. ففي قطاع المطاعم، حققت سلاسل مثل ماكدونالدز شهرة واسعة بعد إدخال طاولات فردية مع فواصل، مما يتيح للأفراد تناول الطعام دون شعور بالحرج.
كما يُتوقع أن يُسهم تزايد الأكل الفردي في الطفرة الكبيرة التي يشهدها قطاع توصيل الطعام، الذي خدم نحو 545 مليون مستخدم في 2024، وبلغت قيمته نحو 1.2 تريليون يوان.
تتوقع شركات الاستثمار أن تكون الصين واحدة من أسرع أسواق العالم نموًا لأدوات الرفقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، نتيجة لزيادة عدد الأفراد الذين يعيشون بمفردهم وشيخوخة المجتمع وارتفاع معدل استخدام التقنيات الرقمية. يُتوقع أن تشهد السوق العالمية لهذه الأدوات نموًا هائلًا خلال السنوات المقبلة، ليرتفع من 30 مليون دولار إلى 150 مليار دولار بحلول 2030.
يرى أكاديميون أن هذا التحول ليس عابرًا. شبيه بما حدث في اليابان، حيث تطورت منتجات وخدمات للأفراد إلى فئة اقتصادية مستقلة، تسير الصين نحو إعادة تشكيل قطاعات كاملة، من الإسكان إلى الرعاية الصحية والتقنية، لتخدم الفرد بدلاً من الأسرة. كما يُشير أحد الباحثين إلى أن “الوحدة لم تعد مجرد شعور، بل أصبحت حالة معيشية تُنتج اقتصادًا كاملاً”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 10
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-250126-208

