يختلف الأشخاص الذين يفرطون في التفكير عن غيرهم في الطريقة التي يتخذون بها القرارات، وذلك على مستوى البنية العصبية ووظائف الدماغ، بحسب أبحاث في علم النفس وعلم الأعصاب. هؤلاء يستخدمون آليات ذهنية تعمل بنمط مختلف تمامًا للوصول إلى قرار، والجهد الذي يبذلونه في ذلك غير متكافئ مع نتائجهم أحيانًا.
شبكة الوضع الافتراضي
عندما ينتهي معظم الناس من مهمة أو يواجهون قرارًا، ينشط في الدماغ لفترة قصيرة ما يسميه العلماء شبكة الوضع الافتراضي (DMN)، وهي مجموعة من مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المعلومات الذاتية والذاكرة ومحاكاة المستقبل. هذه الشبكة تعمل أثناء أحلام اليقظة والتأمل والتخطيط الذهني.
التفكير الاجتراري
عند كثيرين تهدأ هذه الشبكة بسرعة وتُفسح المجال للانتباه نحو المهام الخارجية، لكن لدى المفرطين في التفكير تبقى الشبكة نشطة لفترة أطول. هذا يجعلهم لا يكتفون بتقييم الخيارات فقط، بل يستحضرون ذكرياتهم، وينشئون سيناريوهات مستقبلية، ويعالجون الارتباطات العاطفية ويقارنون كل ذلك بصورة ذاتهم.
معاناة اتخاذ القرار
عمليًا، يعني ذلك أن دماغ الشخص المفرط في التفكير يقوم بكل هذه العمليات باستمرار ويصعب عليه التوقف عنها. هم عادة يسعون لتحقيق أفضل خيار ممكن بدلاً من الاكتفاء بحلول مرضية، ما يجعل عملية اتخاذ القرار مرهقة وطويلة وغير فعالة في كثير من الأحيان.
مفارقة مؤلمة
أظهرت دراسات أن الأشخاص الذين يسعون لتحقيق أقصى درجات الرضا قد يواجهون نتائج سلبية أكثر من الذين يكتفون بما هو متاح. على رغم الجهد المعرفي الكبير، قد يعانون من صعوبة أكبر في التأقلم، والاعتماد على الآخرين عند الاختيار، وتجنب عملية اتخاذ القرار، وميل أقوى للشعور بالندم. البحث المضني عن الخيار الأمثل لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل، بل قد يضعف القدرة على التوقف عن الاجترار.
تضارب الشبكات الدماغية
من أهم النتائج العصبية أن هناك تضاربًا بين شبكتين: شبكة الوضع الافتراضي (DMN) المسؤولة عن الاجترار الداخلي، والشبكة الجبهية الجدارية (FPN) المسؤولة عن الانتباه الموجه نحو الهدف والتحكم التثبيطي. عندما تكون شبكة الوضع الافتراضي نشطة جدًا، تنخفض فعالية الشبكة الجبهية الجدارية، فتنخفض قدرة الدماغ على قمع الأفكار المتكررة والالتزام بالقرار. لذا ليست المشكلة أن المفرطين في التفكير لا يريدون اتخاذ قرار، بل أن آليات الدماغ التي تسمح لهم بالتوقف عن التفكير تكون مُكبَحة.
“عالقون في أفكارهم”
هذا يشرح إحساس المفرطين في التفكير بأنهم «عالقون» في ذهنهم؛ فليس مجرد وصف شعوري مبالغ فيه، بل حالة عصبية يمكن قياسها، حيث يطغى نظام التركيز الداخلي على الاستجابة الخارجية.
الخلط بين الشمولية والأمان
من الفخاخ المعرفية الشائعة لدى المفرطين الاعتقاد بأن الاستمرار في التفكير سيؤدي حتمًا إلى حل. كثير منهم يحملون اعتقادًا ضمنيًا بأن مزيدًا من التحليل سيولد الحلول، ما يزيد الاجترار بدل أن يقلله، لأن الإفراط في التفكير يُنظر إليه كشيء منتج حتى لو كان يثمر عن قلق فقط.
التركيز المتكرر والسلبي
تصف الأبحاث الاجترار بأنه تركيز متكرر وسلبي على المشكلة وأسبابها وعواقبها، دون سعي فعّال للحل. النشاط الذهني هنا دائري ويولد المزيد من الأسئلة بدل الإجابات، لذا قد يقضي المفرطون في التفكير وقتًا طويلاً في التدبّر ويخرجون بقدر أقل من اليقين والوضوح مما كانوا عليه في البداية.
مستوى كورتيزول مرتفع
الاجترار ليس مجرد حدث معرفي بل فسيولوجي أيضًا. عند إدراك الدماغ حالة من عدم اليقين أو التهديد يُنَشّط محور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية فتزداد مستويات الكورتيزول. أما لدى المفرطين في التفكير، فتبقي عملية الاجترار الشعور بالتهديد حيًا، مما يحافظ على نشاط الجهاز العصبي الودي وارتفاع هرمونات التوتر. هذا يؤثر على المزاج والنوم والهضم وضغط الدم، وقد يسهم بمرور الوقت في زيادة الالتهابات الجهازية.
نظرية العملية الساخرة
أظهرت أبحاث أن محاولة كبح الأفكار عمدًا قد يؤدي إلى ارتدادها بقوة أكبر؛ إذ أن القول لشخص مفرط في التفكير «توقف عن الفرط في التفكير» قد يعزز الفكرة نفسها. الطريق الأفضل لا يكون بمحاولة التفكير أقل فحسب، بل بفهم ما تفعله آليات الدماغ حين لا تتوقف عن التفكير، وتعلّم إعادة توجيه هذه الآلية نحو البحث عن حلول بدل التكرار. المشكلة إذًا ليست في قدرة التفكير نفسها، بل في اتجاهه وطريقة استخدامه.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 0
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-140226-831

