منوعات

هل انتهى عصر الأطروحات؟.. نظام صيني جديد يمنح الدكتوراه دون كتابة ورقة علمية

5e28ae00 56da 482b 9081 1671e74f57bd file.jpg

في مشهد غير معتاد داخل قاعات مناقشة الأطروحات، وقف الباحث الصيني تشنغ ههوي الشهر الماضي أمام لجنة الحكم في جامعة جنوب شرق الصين في مدينة نانجينغ ليدافع عن مشروعه لنيل درجة الدكتوراه. لكنه لم يُقدّم المجلد التقليدي المليء بالصفحات، بل جاء حاملاً منتجاً عملياً متمثلاً بقطع فولاذية مدعمة تشبه مكعبات تركيب يمكن ربطها لتكوّن دعامة هائلة لجسر معلق. هذه القطع لم تبق نموذجاً تجريبياً فحسب، بل أصبحت جزءاً فعلياً من جسر ضخم يعبر نهر اليانغتسي ويربط بين طرق وبرٍّ وخطوط سكك حديدية، ليصبح مشروعه تطبيقاً عملياً على أرض الواقع بدلاً من أطروحة محفوظة على رف.

يمثل تشنغ مثالاً لتحول جذري في مقاربة الصين للتعليم العالي. فهو من بين أوائل الملتحقين ببرنامج “الدكتوراه العملية” الذي أُقرّ بمقتضى قانون صدر عام 2024، والذي يتيح الحصول على درجة الدكتوراه في الهندسة عبر ابتكار منتج جديد أو تقنية قابلة للتطبيق أو تنفيذ مشروع هندسي ضخم، دون اشتراط كتابة الأطروحة التقليدية، وفق تقارير صحفية محلية ودولية.

هذا التحول ليس مجرد تغيير أكاديمي، بل يعكس رؤية استراتيجية. في ظل الضغوط التكنولوجية والعقوبات التجارية مع الغرب والصراع الاقتصادي مع الولايات المتحدة، تسعى الصين إلى إعادة تشكيل مهارات المهندسين وتوجيه البحث العلمي نحو النواتج القابلة للقياس والبناء والاستخدام، بدلاً من التركيز على الكمّ فقط من المنشورات.

من “النشر أو الفناء” إلى ابتكار المنتجات

لفهم سبب هذا التوجه، لا بد من الإشارة إلى مشكلة “هوس العدد” في الأوساط العلمية الصينية. ففي عام 2022 تصدرت الصين العالم من حيث كمية الأبحاث المنشورة وعدد الدراسات ذات التأثير، لكن هذا الإنجاز اختبأت خلفه أزمة أخلاقية ومنهجية. الضغوط للمُقايَسَة بعدد المنشورات أدت إلى بروز سوق سوداء للمقالات العلمية — ما تُعرف أحياناً بـ”مصانع الورق” — حيث تُباع أبحاث مهيكلة أو بيانات ملفقة أو حتى حزامات أسماء مؤلفين لقاء مبالغ مالية.

ومع تفاقم المشكلة، بدأت مجلات دولية تسحب آلاف الأوراق البحثية؛ ففي 2023 سُحبت أكثر من عشرة آلاف ورقة حول العالم، ونسبة كبيرة منها كانت لأبحاث مرتبطة بصين. وفي 2024 شهدت حالات سحب جماعي لأعداد من الأبحاث بسبب مخالفات أخلاقية، ما كشف عن ظاهرة “جنرالات الورق”؛ باحثين يملكون سجلاً ضخماً من المنشورات يبدو قوياً ولكنه ينهار عند الاختبار العملي.

الصين تسقط اقتصاد الورق

إلغاء اشتراط الأطروحة التقليدية يُعد ضربة للاقتصاد الموازي للمقالات المزورة. عندما يصبح من الممكن الحصول على الدرجة عبر ابتكار جهاز أو تقنية أو تنفيذ منظومة هندسية، يفقد سوق شراء المقالات مزاياه. القاعدة الجديدة واضحة: إن استطعت بناء المنتج وتثبيت جدواه في الميدان فلا حاجة لشراء ورقة بحثية عنه. وتقول السلطات إن الهدف القضاء على “العلم الزومبي” — أي الأبحاث التي لا تقدم فائدة عملية حقيقية سوى الاستشهاد عليها نظرياً.

سد الفجوة بين النظرية والورشة

تعرف الصين أن تراكم المنشورات لا يعني امتلاك التكنولوجيا الفعلية، خصوصاً في مجالات حساسة مثل تصميم الرقائق والحوسبة الكمّية. وأدركت أن هناك فجوة كبيرة بين المعرفة النظرية المكتسبة في القاعات الأكاديمية والمهارات التطبيقية المطلوبة في المصانع والمختبرات الصناعية. منذ إطلاق البرنامج الجديد تخرج عبره 11 مهندساً بدرجة دكتوراه عملية عن مشاريع تتراوح من كتل جسرية إلى منظومات إطفاء خاصة بطائرات الإقلاع المائي. ومن بين الروّاد أيضاً وي ليانفنغ، الذي طور تقنيات لحام ليزري ومعدات تصنيعها وكان من أوائل المتخرجين ضمن هذا الإطار من جامعة هاربين للتكنولوجيا.

برنامج “المهندس المتميز” — صناعة كتائب تقنية

ترتبط هذه المبادرات بمتطلبات الأمن القومي، إذ تهدف الحكومة إلى معالجة اختناقات تقنية تُعيق التقدّم الصناعي، خصوصاً في مجالات حساسة. منذ 2022 أُطلقت برامج تجريبية في نحو 18 مجالاً استراتيجياً تشمل الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والرقائق. وتشمل مؤشرات هذه المبادرات إنشاء 50 كلية هندسية جديدة، تسجيل نحو 20 ألف طالب ضمن المبادرة، مشاركة أكثر من 60 جامعة وما يزيد على 100 شركة، تعاون جامعة تشينغهوا مع عشرات الشركات، وتسجيل نحو 100 براءة اختراع عبر طلاب مشاركين. كما أكمل قانون 2024 الإطار القانوني باعترافه رسمياً بمسار الأطروحة العملية كطريق بديل لنيل الدكتوراه.

نظام إشراف مزدوج لضمان الجودة

لمنع أن يتحوّل المسار التطبيقي إلى خيار سهل، اعتمدت الجامعات نموذج إشراف مزدوج يربط بين مشرف أكاديمي يضمن الصرامة العلمية، ومشرف صناعي يقيّم جدوى التطبيق الميداني. ويُلزم هذا النموذج إثبات فعالية المشاريع في بيئات عمل حقيقية، بخلاف بعض برامج الدكتوراه الصناعية في أوروبا والولايات المتحدة التي ما تزال تطلب وثائق مكتوبة كجزء أساسي.

تحديات تقويم “ما يمكن لمسه”

رغم الحماس، تواجه الجامعات صعوبات فنية ومنهجية في تقييم نتائج المشاريع العملية. فمقارنة جودة ورقة مكتوبة بسهولة القياس، يكون تقدير قيمة آلة أو تقنية أو خط إنتاج أكثر تعقيداً، لا سيما عند تقدير الأثر الصناعي أو الاقتصادي. وإن كان عدد حاملي الدكتوراه العملية حتى الآن صغيراً بالمقارنة مع نحو 97 ألف طالب نالوا دكتوراه في الصين عام 2024، فإن التوجه يلقى إقبالاً متزايداً بين طلبة الهندسة: 67 طالباً تقدموا بطلبات للحصول على الدرجة عبر المسار التطبيقي في مرحلة مبكرة.

يرى مختصون أن هذا النهج ربما لا يمتد إلى العلوم الأساسية التي تظل فيها النظرية جوهرية، لكنه يُتوقع أن يتوسع في ميادين هجينة مثل تصميم الأجهزة الطبية المتقدمة وأنظمة التشخيص الذكية، حيث يتقاطع البحث النظري مع الحاجة الماسة إلى حلول قابلة للتصنيع والتطبيق.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : الرياض – العربية Business Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-150226-813

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 59 ثانية قراءة