السعودية

جهود إنسانية رائدة.. الكشافة تسطر أروع النماذج في إرشاد التائهين بالحرم المكي

F975d62e 3e3c 47fd ad7f 9a7fee3568c1 file.jpg

في قلب مكة المكرمة، حيث تذوب المسافات وتتوحد القلوب خلف نداء السماء، لا يتوقف المشهد المهيب عند حركة الطواف والسعي المليونية. هناك، خلف أمواج الزحام البشري، تُكتب حكايات بمداد من الرحمة، أبطالها شباب نذروا سواعدهم تحت لواء جمعية الكشافة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن.

لم تعد مهام هؤلاء الفتية مجرد تنظيم روتيني للحشود، بل تحولت إلى رسالة إنسانية سامية، يغدون فيها “بوصلة الأمان” التي تملأ الفراغ الموحش بين حيرة المعتمر التائه ولحظة طمأنينة الوصول.

تتجلى تفاصيل هذه الرسالة النبيلة في اللحظات العصيبة التي يفقد فيها الحاج أو المعتمر رفاقه، وتضيق عليه الساحات الفسيحة رغم اتساعها. هذا المشهد تجسد واقعاً أمام القائد الكشفي هاشم كتبي، الذي لم يكن يؤدي مجرد نوبة عمل ميدانية عابرة في صحن المطاف، بل كان يرقب بعين “الابن” البار ملامح التيه والخوف في وجوه العابرين.

لفتت انتباهه معتمرة مسنة، بدت وكأن الأرض قد دارت بها؛ نظراتها المنكسرة وخطواتها المثقلة بالإجهاد كانت تروي بصمت قصة ضياع قاسية. تقدم إليها برفق الكشاف المعهود، ليكتشف أن العائق ليس الزحام وحده، بل غياب أي وسيلة للاستدلال؛ فلا بطاقة تعريفية بحوزتها، ولا هاتف جوال، ولا حتى ذاكرة تسعفها برقم هاتف أو عنوان سكن، لتفرض الحيرة سيطرتها التامة على الموقف.

في تلك اللحظة، لم يرَ القائد هاشم أمامه مجرد “حالة تائهة” تتطلب إجراءً إدارياً جافاً، بل أبصر أماً تستغيث بقلبها، جلس إليها بهدوء، يمسح روعها بكلمات دافئة طمأنت قلبها المرتجف قبل قدميها المتعبتين، ونجح في استخلاص خيط أمل وحيد من وصفها العفوي البسيط للمكان الذي كانت تجلس فيه قبل أن تجرفها أمواج البشر.

وبإصرار لا يعترف بالعجز، تشبث بذلك الخيط، وبدأ معها رحلة بحث مضنية في الساحات الفسيحة، محيطاً إياها بحماية جسده من تدافع الحشود، ومختصراً مسافات التعب بفيض من الصبر والمؤازرة. لم تكن المسافة قصيرة، ولا الوقت مثالياً، لكن إنسانية الكشاف كانت المحرك الذي لم ينطفئ حتى لاحت في الأفق الوجوه المألوفة لرفقتها، لتنقلب دموع الخوف إلى دعوات صادقة عانقت عنان السماء.

هذه المواقف الإنسانية المتكررة بين أروقة المسجد الحرام، تتجاوز كونها قصصاً عابرة للتأثير اللحظي، بل هي برهان حي يثبت أن العمل الكشفي في المملكة قد ارتقى فوق مفهوم التطوع التقليدي، ليؤسس نموذجاً عالمياً ملهماً في العطاء الإنساني.

ويبرهن هؤلاء الأبطال كل يوم أن “سترة الكشاف” ليست مجرد زي رسمي يُرتدى، بل هي موطن دافئ للأمان، وأن أعظم النجاحات لا تقاس بما توثقه الكاميرات، بل بتلك اللحظات التي تُحفر في ذاكرة مسنة عادت لأحضان رفقتها، أو تائه وجد في يد الكشاف خريطة للنجاة، ليؤكدوا للعالم أن خدمة ضيوف الرحمن هي الشرف الأسمى الذي يزرع قيم المبادرة، والحكمة، والإخلاص في نفوس شباب الوطن.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : عبدالعزيز العمري – مكة المكرمة
معرف النشر: SA-210226-12

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 5 ثانية قراءة