منوعات

نقوش عمرها 40 ألف عام.. تعيد النظر في بدايات الكتابة

19dba82b 32c3 4a77 a1af 75d8c115821c file.jpg

كشفت دراسة أثرية حديثة عن وجود نظام رمزي منظم يعود تاريخه إلى نحو 43 ألف إلى 34 ألف سنة، ما يقدّم دليلاً على أن أشكال التواصل الرمزي المعقد لدى الإنسان الحديث سبقت ظهور الكتابة بعشرات الآلاف من السنين.

استند الباحثون في دراستهم إلى تحليل أكثر من ثلاثة آلاف نقش محفور على نحو 260 قطعة أثرية من عصور ما قبل التاريخ، عُثر على كثير منها في كهوف منطقة شفابن يورا جنوب غربي ألمانيا، من بينها تمثال ماموث صغير اكتُشف في كهف فوغل هيرد بوادي لونه. تشمل اللقى مزامير وأدوات عظمية وتماثيل عاجية وقلادات ومنحوتات لحيوانات، إضافة إلى تماثيل هجينة تمزج بين عناصر بشرية وحيوانية.

تحمل هذه القطع ما يقارب 22 رمزاً متكرراً، منها شقوق على شكل حرف V وخطوط وصلبان ونقاط، وفق تقرير صحفي نُشر عن الدراسة. وقالت عالمة الآثار إيفا دوتكيفيتش، المشاركة في البحث من متحف ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في برلين، إن هذه القطع «ترجع لعشرات آلاف السنين قبل ظهور أول أنظمة الكتابة»، موضحة أن هدف الفريق كان تحليل بنية الرموز وخصائصها القابلة للقياس لا محاولة تفسير دلالاتها الدقيقة.

نظام رمزي منظم
أظهرت النتائج أن النقوش ليست زخارف عشوائية بل تشكل نظاماً رمزياً منظماً. وبيّن التحليل أن بعض الفئات، خصوصاً التماثيل، تحمل «كثافة معلومات» أعلى — أي نقشت عليها رموز أكثر ضمن مساحة محددة — مقارنة بالمزامير أو الأدوات أو الحلي، ما يشير إلى وجود تفاوت في استخدام الرموز بحسب وظيفة القطعة.

كما رُصدت أنماط مشابهة في لقى أخرى من المنطقة، منها لوحة عاجية تُعرف باسم «المتعبد» تُظهر كائناً هجيناً بين الأسد والإنسان، وتمثال «رجل الأسد» الذي يحمل شقوقاً متساوية التباعد على ذراعه. وتكرار العلامات عبر قطع متعددة يدعم فرضية وجود نظام رمزي مقصود ومُتفق عليه.

تخزين المعلومات
تشير الدراسة إلى أن البشر الذين استقرّوا في أوروبا خلال العصر الحجري القديم الأعلى كانوا يتمتعون بقدرات متقدمة في التفكير الرمزي. والاستخدام المنهجي والمتكرر لهذه العلامات يوحي بأنها شكّلت وسيلة لتخزين ونقل المعلومات تتجاوز الكلام الشفهي، أقرب إلى شكل بدائي من «الذاكرة الخارجية».

وقارن الباحثون الخصائص الإحصائية لتسلسلات هذه النقوش بأنظمة كتابة مسمارية بدائية في بلاد ما بين النهرين، ولاحظوا تشابهاً في البنية والتكرار وكثافة المعلومات. وأشارت النتائج إلى أن التعقيد الإحصائي لتسلسلات الرموز في العصر الحجري القديم لا يقلّ عن أقدم أشكال المسمارية التي ظهرت قبل نحو 5400 سنة، رغم أن هذه النقوش لا تُعد كتابة بالمعنى الحديث.

تساؤلات جديدة
يفترض الباحثون أن بعض العلامات قد تكون متصلة بأنماط موسمية أو بدورات هجرة الحيوانات، وأن الأشكال الهجينة والرموز المتكررة قد تحمل دلالات دينية أو ثقافية. كما قد تكون الشقوق المنتظمة استُخدمت لأغراض العد أو التوثيق.

كانت النظرة التقليدية تفترض أن أول نظام كتابة ظهر في بلاد ما بين النهرين مع المسمارية السومرية، لكن هذه النتائج تعيد تأريخ أشكال التواصل الرمزي المعقد إلى ما لا يقل عن 35 ألف سنة، ما يفتح أسئلة جديدة حول تطور القدرات المعرفية والثقافية لدى الإنسان العاقل المبكر.

أوضح الباحثون أن استخدام النماذج الإحصائية وخوارزميات التصنيف أمّن طرقاً لقياس بنية النقوش واتساقها وحجم المعلومات التي تحملها، ما يوفر إطاراً علمياً أوسع لدراسة رموز ما قبل التاريخ. ومع مواصلة فهرسة وتحليل هذه القطع، يأمل الفريق في اكتشاف أنماط إضافية تساعد على فهم الحياة الرمزية لدى المجتمعات الإنسانية الأولى.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : الرياض – العربية.نت Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-270226-221

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 36 ثانية قراءة