يُعد الفصام واحدًا من الاضطرابات النفسية الخطيرة التي تؤثر في قدرة الشخص على التمييز بين الواقع والخيال، ويصيب نحو واحد بالمئة من السكان. عادةً ما يتم تشخيص الفصام بين سن 16 و30 عامًا، لكن الباحثين يتجهون الآن للبحث عن مؤشرات مبكرة قد تظهر منذ الولادة.
تشير أبحاث حديثة إلى أن المشيمة —العضو الذي يغذي الجنين أثناء الحمل— قد تحمل دلائل مبكرة على خطر الإصابة بالفصام لاحقًا في الحياة. هذا ما يسميه العلماء “محور المشيمة–الدماغ”: فكرة أن المشيمة لا تنقل فقط الغذاء والأكسجين، بل أيضاً تعكس الظروف البيولوجية والبيئية التي تعرض لها الجنين داخل الرحم.
أظهرت دراسات سابقة أن بعض العلامات الجينية في المشيمة تتغير في حالات الولادة بوزن منخفض، وأن هذه التغيّرات ارتبطت لاحقًا بزيادة خطر الفصام واضطرابات أخرى مثل التوحد وضعف القدرات المعرفية. وفي الآونة الأخيرة تزايد الاهتمام بتأثير تعاطي القنب أثناء الحمل على نمو دماغ الجنين، خصوصًا بعد ملاحظات بارتفاع معدلات استخدام القنب بين الحوامل في بعض الدول عقب تقنينه.
دراسة جديدة نشرت في مجلة علمية متخصصة بحثت تأثير مركب THC (المكوّن النفسي الفعّال في القنب) على المشيمة. في تجارب على نماذج حيوانية، أعطيت إناث حوامل جرعات من THC، فلوحظ أن صغارهن عانوا من ضعف في ما يُعرف باختبار “تثبيط الاستجابة المفاجئة” (prepulse inhibition)، وهو اختبار يقيس قدرة الدماغ على تصفية المحفزات غير المهمة، وتعد هذه القدرة مضطربة لدى العديد من المصابين بالفصام. كما رصد الباحثون ارتفاعًا في بعض العلامات الجينية في المشيمة المرتبطة سابقًا بخطر الفصام لدى البشر. تجارب مختبرية على خلايا مشيمة بشرية أعطت نتائج مشابهة بعد تعرضها لفترة قصيرة لمركب THC.
إذا تأكد أن هذه التغيرات في المشيمة تشير إلى خطر مستقبلي للفصام، فقد يصبح بالإمكان رصد الأطفال المعرضين للخطر منذ الولادة والتدخل مبكرًا عبر برامج داعمة نفسياً أو تغذوية، ما قد يحسن فرص العلاج والنتائج على المدى الطويل. مع ذلك، لا تزال هذه الأبحاث في مراحلها المبكرة، وهناك حاجة إلى دراسات أوسع لفهم ما إذا كانت مكونات أو عوامل أخرى تؤثر أيضاً في تطور الدماغ. كما يشير العلماء إلى أن صحة الوالدين قبل الحمل، سواء الأم أو الأب، قد تؤثر على صحة المشيمة وتستحق بحثًا أعمق.
بشكل عام، تشير الأدلة الحديثة إلى أن المشيمة قد تحتفظ ببصمات مبكرة لاضطرابات نفسية مستقبلية بما في ذلك الفصام. وبينما الطريق طويل قبل اعتماد فحوصات مشيمية كأداة فحص مبكر تجريبياً وعياديًا، تفتح هذه النتائج نافذة مهمة لفهم أعمق لكيفية تأثير البيئة داخل الرحم على الصحة النفسية لاحقًا في الحياة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : الرياض- العربية.نت ![]()
معرف النشر: MISC-010326-457

