في عالم يتسارع فيه التطور التقني، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات بل تحول إلى شريك فعلي في مجالات طبية حساسة. ومن بين القصص التي أثارت اهتمام الرأي العام أخيراً، قصة رائد الأعمال الأسترالي بول كونينغهام الذي استخدم خبرته في التعلم الآلي لمساعدة كلبته “روزي” بعدما أُصيبت بسرطان الخلايا البدينة الشائع لدى الكلاب.
رفض كونينغهام القبول بتوقعات الأطباء التي أشارت إلى استمرار نمو الأورام وقلّة فرص البقاء، فحوّل المشكلة إلى مسألة بيانات. أجرى تسلسلاً جينياً شاملاً للورم، ثم قارن هذه النتائج مع الحمض النووي السليم لاكتشاف الطفرات المسببة للمرض. وبعد تحليل البيانات البيولوجية استخدمت أدوات حاسوبية متقدمة لتوقع بنى البروتينات المتحورة والمساعدة في فهم تأثير الطفرات الجينية.
وفقاً لما أفاد به، لعبت نماذج لغوية وأدوات ذكاء اصطناعي أدواراً مختلفة: أحدها ساهم في وضع خطة بحثية وتنظيم المعلومات العلمية، وآخر شارك في تصميم التركيبة النهائية للقاح من نوع “mRNA”. وبحسب الرواية، أدى هذا اللقاح التجريبي إلى تقلص ملحوظ في حجم الورم، حيث سجّل تراجعاً بنحو 75%، مع تحسّن عام في حالة روزي بعد بدء إعطاء الجرعات منذ ديسمبر الماضي.
وأوضح خبراء أن ما حدث يعكس تحوّلاً نحو الطب الدقيق المدعوم بالذكاء الاصطناعي. الدكتور محمد محسن رمضان أوضح أن القصة تُظهر كيف تتحول البيولوجيا إلى بيانات رقمية تُحلّل لاكتشاف الطفرات، ثم تُستخدم هذه النتائج لتصميم علاجات مخصصة بدلاً من اعتماد علاج واحد لكل المرضى. وأضاف أن النماذج اللغوية الكبيرة غالباً ما تعمل كمساعد معرفي في صياغة التصميم النظري وتنظيم البحث، وليست بالضرورة محركات لإجراء الحسابات البيولوجية الدقيقة بمفردها.
كما بيّن الدكتور محمد عسكر أن الصورة أعقد من الاعتماد على أداة واحدة، فهي مزيج من التحليل الجيني المتقدم، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتعاون مع باحثين أكاديميين. أما الخطوة التقنية الأكثر حساسية فهي تصنيع اللقاح فعلياً باستخدام تقنيات إيصال الجزيئات الدهنية، وهي عملية تتطلب مختبرات متخصصة وخبرة علمية كبيرة، ولا يمكن تنفيذها عبر الذكاء الاصطناعي وحده.
ورأى الخبراء أن القصة تكشف ثلاثة اتجاهات مهمة في مستقبل التكنولوجيا الطبية: تسريع وتوسع الطب الشخصي، تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة بحث تساعد أفراداً وباحثين في الوصول إلى تحليلات كانت تستلزم فرقاً علمية كاملة، وإتاحة معرفة علمية متقدمة لغير المتخصصين بدرجة معينة. ومع ذلك شددوا على أن النجاح في حالة فردية لا يعني توافر علاج عام للقضاء على السرطان؛ إذ إن تطوير علاجات يلزمه سنوات من الاختبارات السريرية والرقابة العلمية لضمان السلامة والفعالية.
الخلاصة أن ما حصل مع روزي لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي اخترع علاجاً للسرطان، لكنه يبرز دوره المتنامي كشريك في تسريع البحث الطبي، مع ضرورة الاعتماد على علماء ومختبرات وتجارب سريرية صارمة قبل تعميم أي نتائج على البشر أو الحيوانات الأخرى.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : القاهرة – محمد مخلوف ![]()
معرف النشر: MISC-170326-68

