منوعات

معاناة عاطفية تسبب العطاء بسخاء.. عالمة نفس تكشف السر

6bcbdd0c 2c64 47ce 8a59 ac7eb0d02434 file.jpg

في بعض الأحيان تلتقي بشخص يتذكّر كل عيد ميلاد، يلاحظ متى يشعر الآخرون بالإرهاق ويرسل رسالة بلا طلب، يحضر الطعام عند المرض، يصلح شيئاً طالما أُخبر أنه معطّل، ويعرف دائماً الهدية الملائمة. من الخارج يبدو عطاؤه ونبله دليلاً على حياة مترابطة، لكن داخله يقبع شعور عميق بالوحدة.

وحدة عميقة
تُشير مقالات نفسية متخصصة إلى أن مثل هذا الشخص غالباً ما يكون شريكاً مثالياً أو والدًا حنونًا أو الصديق الذي يصفه الجميع بأنه كريم، لكنه في الواقع يعاني من شعور بالوحدة لا يراه الآخرون. علاقاته تبدو وثيقة وحياته مليئة بالأناس، لكنه يميل إلى إخفاء ضعف داخلي، بل ويتجنب الحديث عنه عندما يُسأل مباشرة.

إهمال عاطفي في الطفولة
كرّست بعض الباحثات حياتهن لدراسة الأشخاص الذين نشأوا في بيئات افتقرت للتناغم العاطفي. الإهمال العاطفي في الطفولة صعب الكشف لأنه لا يظهر كإساءة واضحة، بل هو غياب هادئ ومزمن للرعاية العاطفية. الأطفال الذين لم تُلبَّ احتياجاتهم لا يتعلمون أن المشاعر غير مهمة، بل يتعلمون أن مشاعرهم عبء، وأن التعبير عن الحاجة خطير، وأن الطريق الآمن للحفاظ على العلاقات هو أن يصبحوا مفيدين بدلاً من أن يعبروا عن احتياجاتهم.

عالم الطفل الداخلي
الأهل الذين يتصرفون بهذه الطريقة ليسوا بالضرورة سيئين؛ كثيرون منهم طيبو النية ومتواجدون، لكنهم ببساطة لا يعرفون كيفية التواصل مع عالم طفلهم الداخلي لأنهم لم يُعلَّموا ذلك. ينتقل هذا النمط بصمت عبر الأجيال، ويستخلص الطفل المعادلة المدمرة: أنا آمن عندما أكون مطلوباً، ولست آمناً عندما أحتاج.

العطاء كاستراتيجية للتقارب
العطاء المستمر لدى هؤلاء الأشخاص يصبح وسيلة لتكوين قرب دون انكشاف. بتحضير الطعام أو تذكر المناسبات أو حل المشكلات، يصبحون عنصرًا أساسياً ومقدراً في حياة الآخرين، لكن وفق شروطهم: لا يُطلب منهم الانفتاح ولا يُطْلب منهم إظهار ضعفهم. من الخارج يبدو كل شيء كرمًا محببًا، أما داخليًا فتبقى الوحدة لأن لا أحد يعرفهم بعمق.

رومانسية غير متوازنة
في العلاقات العاطفية يتحول هذا الأسلوب إلى ما يشبه الإخلاص الظاهري لكنه في جوهره دفاعي. الشريك الذي نشأ دون حنان يصبح مهووسًا بتلبية احتياجات الآخر وملاحظة أدق التفاصيل والاهتمام بشكل متكرر ومفرط. الحب الموجود حقيقي، لكنه بنيوياً غير متوازن: رغبة عميقة في التقارب مع تخوّف من أن يُرى الآخرون على حقيقتهم. لذلك يكرسون أنفسهم لخدمة تجربة شريكهم، بينما يخفون عنهم معاناتهم الخاصة.

نمط تربية جميل ومحزن
كآباء، غالبًا ما يعوّض هؤلاء ما غاب عنهم ويصبحون شديدي الانتباه لمشاعر أطفالهم. يخلقون بيئة عاطفية دافئة لأنهم يتذكرون عميقاً كيف كانت نشأتهم بدونها. هذا جميل لكنه محزون في الآن نفسه، لأن ألمهم ونقصهم يبقيان دون معالجة.

ألم ونقص دون علاج
تكلفة العطاء الدائم عاطفياً كبيرة؛ فهم يمنحون الآخرين ما يحتاجونه بشدة لكنهم أنفسهم يبقون مع فراغ يصعب وصفه. كثيراً ما يجلسون وحيدين بعد أن ينام الأطفال، يشعرون بفراغ لا يعرفون كيفية التعبير عنه، ووحدتهم هذه تكون مخفية حتى عن أقرب الناس إليهم. تصف بعض الباحثات هذا الشعور بأنه العيش على حافة هاوية: حياة ناجحة ظاهرياً مصحوبة بإحساس دائم بوجود شيء أساسي مفقود.

العطاء ثنائي الاتجاه
العطاء يمنح شعوراً جيداً لأن مسارات المكافأة في الدماغ تتفعل؛ لكنه ليس هو نفسه التواصل الحقيقي الذي يحتاج إلى اتجاهين. التواصل الحقيقي يتطلب السماح للآخرين برؤية الجوهر الكامل — المتعب، الحائر، الخائف، المحتاج — لا فقط الجوهر الذي يظهر من خلال خدمات واهتمام عملي. هذا الجانب من الذات قد ضمر نتيجة عقود من عدم الاستخدام، ويتطلب تدريباً لإعادة فتحه.

بداية الرغبة في التغيير
تبدأ عملية التغيير بالاستعداد للشعور بعدم الارتياح، وقبول الإحساس الجسدي المزعج الناتج عن تلقي الرعاية والاهتمام دون أن يحوِّل المرء كل الحديث إلى الآخر. على الشخص أن يسهل دخول الآخرين إلى حياته تدريجياً، وأن يذكر نفسه بأن الشعور بعدم الأمان غالبًا ما هو بقايا من الماضي وليس انعكاسًا للحاضر. في النهاية، عندما يتعلم أن يتلقى ما طالما منحه للآخرين، يتحول العطاء إلى تبادل متوازن ويشعر أنه تبادل حقيقي للحب والاهتمام.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 0
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-100426-480

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 8 ثانية قراءة