“آسيان+3” تقود ثورة المدفوعات العابرة للحدود
لم يعد السائح السنغافوري في تايلاند، أو المتسوق الماليزي في هونج كونج، بحاجة إلى حمل حزم من العملات الورقية أو البحث عن مكاتب الصرافة؛ فكل ما يتطلبه الأمر الآن هو جوال وتطبيق بنكي لإتمام المعاملات بسرعة وسلاسة. هذا المشهد بات يختصر قصة نجاح ملهمة لمجموعة دول “آسيان+3” (تضم 11 عضواً من دول جنوب شرق آسيا إضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية) في صياغة حقبة جديدة من التكامل المالي الإقليمي.
ريادة في المدفوعات الرقمية
بحسب صحيفة “ذا بزنس تايمز”، خلال العقد الماضي، حققت اقتصادات “آسيان+3” خطوات واسعة في ربط أنظمة دفع التجزئة عبر الحدود. وفي ظل التشرذم الجيوسياسي المتزايد، برزت أهمية تعزيز هذا الربط لضمان عدم عزل التكنولوجيا والتشريعات الإقليمية عن المسار العالمي، خاصة في منطقة تعتمد بشكل حيوي على التجارة وتدفقات رؤوس الأموال.
على الصعيد العالمي، لا تزال المدفوعات العابرة للحدود تعاني بطئا وارتفاعا في التكلفة وغياب الشفافية، لا سيما في الأسواق الناشئة. ورغم وضع مجموعة العشرين خارطة طريق في 2020 لتحسين سرعة المدفوعات بحلول 2027، إلا أن التقدم جاء متفاوتاً. وهنا تبرز منطقة “آسيان+3” كقائد عالمي في مدفوعات التجزئة، حيث مكنت أنظمة الدفع السريع والرموز الشريطية (QR) من إجراء معاملات فورية ومنخفضة التكلفة بالعملات المحلية، ما دعم قطاعات السياحة والتحويلات الصغيرة.
تحدي الجملة وعقبات هيكلية
رغم النجاح في قطاع التجزئة، لا يزال التقدم في مدفوعات الجملة (المعاملات الكبيرة بين البنوك) محدوداً؛ إذ قد تستغرق التسويات عدة أيام. ويواجه هذا الربط قيوداً هيكلية وسياسية عميقة، تشمل الاختلافات في الأطر التنظيمية، والتباين التكنولوجي، وضعف أسواق الصرف الأجنبي للعملات المحلية. وتعد هذه الفجوة هي “الجبهة التالية” التي يجب اقتحامها لدعم التجارة والاستثمار والاندماج المالي الإقليمي.
“الترميز الرقمي” والعملات المستقرة
يتجه المستقبل الآن نحو حلول الدفع بـ”الترميز الرقمي” (Tokenised)، وهي تحويل قيمة مالية أو أصل إلى شفرة رقمية يستهل تداولها تكنولوجيا، والتي تتيح تسويات فورية على مدار الساعة. وتستكشف البنوك المركزية حالياً مشروعات طموحة مثل “أجورا” و “إم بريدج” لتقليل أوقات التسوية وتحسين معاملات الصرف الأجنبي.
في المقابل، تقترب “العملات المستقرة” من التبني الواسع بفضل وضوح الأطر التنظيمية، وتوفر تشريعات مثل قانون “جينيوس” الأمريكي وقانون “ميكا” في الاتحاد الأوروبي نماذج تنظيمية مفيدة. ومع ذلك، تثير هذه العملات مخاوف تتعلق بالسياسة النقدية، كما أن العملات المستقرة المقومة بعملات أجنبية قد تسهم في إحلال العملات الأجنبية محل العملات المحلية، وإضعاف فعالية السياسة النقدية، وتسهيل تجاوز القيود المفروضة على تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود. من أجل ذلك، تعمل مراكز مالية كبرى مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية على تعزيز الأطر التنظيمية لهذه العملات مع الحفاظ على روح الابتكار.
3 أولويات للمستقبل
للانتقال إلى المرحلة التالية من التكامل، تبرز 3 أولويات رئيسية: أولا: ترسيخ ربط التجزئة، عبر زيادة حدود المعاملات والتحول نحو حلول أكثر قابلية للتوسع والعمل البيني. ثانيا: تسريع الربط في المدفوعات بالجملة من خلال تقوية البنية التحتية الداعمة وتطوير أسواق رأس المال، واستكشاف المنصات المرمزة رقميا. ثالثا: تعزيز التنسيق الإقليمي بشأن الأصول الرقمية، لا سيما العملات المستقرة، لضمان استقرار النظام المالي الكلي وتعزيز التعاون الرقابي.
لقد أثبتت “آسيان+3” أن كفاءة المدفوعات العابرة للحدود أمر قابل للتحقيق، لكن المرحلة المقبلة معقدة أكثر؛ فهي تتطلب تحديث أنظمة الجملة وإدارة مخاطر التكنولوجيا الناشئة. إن مفتاح النجاح يكمن في المواءمة بين المعايير الدولية والخصوصية الإقليمية، لضمان استقلالية السياسات وبناء نظام مالي مرن وموثوق.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-080526-526

