هناك دائماً في مكان العمل شخص يوصف بأنه “الأكثر موثوقية”: من يغطي النوبات، ويتذكر تواريخ الزملاء، ويبقى وقتاً أطول عند تعطل النظام، ويكون أول من يرسل الرسائل وآخر من يغادر المكتب. يصفه المديرون بعبارات مثل “صديق للمنظمة” أو “لا غنى عنه”، وهي مدائح تبدو إيجابية لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى قيد يقيد حياة هذا الشخص وهويته.
الهوية المهنية
تُبنى هوية الكثيرين حول انتمائهم المهني؛ فالشغل يمنح المكانة والانتماء والإحساس بالكفاءة. لكن عندما يتحول العمل إلى المصدر الوحيد لقيمة الذات، يصبح فقده، أو حتى تقليص دوره، أمراً مهدِّداً للشعور بالذات. يغيب عن جدول المهام شعورٌ غريب من الفراغ: تبدو الإجازات كوقت معلق لا فائدة منه، ويطرح المرء لنفسه سؤالاً خطيراً لم يكن ليطرحه لو لم يتحول العمل إلى معيار القيمة: “هل لي قيمة اليوم؟”.
المنطق الطفولي الكامن
غالباً ما يتبلور نمط “الشخص الموثوق” منذ الطفولة. ففي بيئات معينة يتعلم الطفل أن يكون مفيداً للحصول على الاهتمام أو لتجنب وقوع الأزمة، فيصبح تقديم الخدمة والقيام بالمسؤوليات أفضل له من طلب الدعم أو إظهار الضعف. يسميه الاختصاصيون أحياناً تحميل الطفل أدواراً تفوق عمره، وهو تكيف ناجح في سياق الأسرة لكنه قد يصبح مشكلة عندما يستمر بعد زوال ظروفه الأصلية. مع مرور السنين يتعمق هذا النمط ويصبح جزءاً من هوية البالغ.
الإرهاق المهني والحساب الصامت
الإرهاق المهني معروف تعريفاً ومؤشراً لدى الجهات الصحية: نتيجة ضغوط عمل مزمنة تؤدي إلى استنزاف عاطفي، وتباعد ذهني، وتراجع الكفاءة. لكن تجربة الشخص الموثوق قد تختلف: طاقته تُستنزف بينما أداءه الخارجي قد يبقى ثابتاً، وتشاؤمه وسوء حالته غالباً ما يبقيان مخفيين. قبل أن يوافق على مهمة جديدة يمر بسرعة بلحظة داخلية من المهادنة: “إذا قلت لا، ماذا سيظنون؟ إذا سأقللوا من قيمتي، ماذا سيبقى لي؟” فتغلب الحاجة إلى الاحتفاظ بالدور على رغبة الرفض، ويُستمر في العطاء بالرغم من الضيق.
علامات الإنذار المبكر ونصائح للتعافي الفعلي
من العلامات المبكرة ازدياد الاستياء الخفي تجاه زملاء طالما تمت مساعدتهم، والإحساس بإرهاق لا يزول بعد عطلة نهاية الأسبوع، والبكاء دون سبب واضح أحياناً، وفقدان الاهتمام بالأشياء التي كانت تمنح متعة. النصيحة الشائعة بوضع حدود وممارسة الرعاية الذاتية صحيحة لكنها غير كافية لوحدها، لأنها تعالج السلوك دون أن تتعامل مع السبب الجذري: اعتماد قيمة الذات على الإنتاج. لذا لا يكفي أن يتعلم الشخص قول “لا”؛ بل يحتاج أن يبني شعوراً بالذات لا ينهار حين يتوقف عن العمل أو يرفض أداء واجب. التعافي يحدث تدريجياً عبر العلاج النفسي، وبناء صداقات لا تقوم على المنفعة، وإقامة هوايات بسيطة، وفي إدراك الفارق بين حب العمل وحب الذات عندما لا تقوم بأي شيء.
دور المدير والزملاء
إذا شك المدير أو الزملاء أن أحدهم يمر بهذه الحالة، فأسوأ رد فعل هو مدحه بشكل مبالغ يثني عليه بأنه “موثوق جداً”، لأن ذلك يعزز الدور ويعمق الاعتماد. والأسوأ بعده سؤال “هل أنت بخير؟” بصيغة عابرة قد يضع الشخص في موقف محرج دون تغيير فعلي. الأفضل هو تخفيف العبء عنه عملياً من دون إجباره على شرح أو أداء العمل أولاً، والخوض معه في حوار فردي واضح حول ملاحظات الأداء الزائد وتشجيعه على الاعتراض عندما تكون المهمة فوق طاقته. على المدير أن يكون قدوة في احترام الوقت والراحة، وأن يؤكد أن قيمة الموظف للمؤسسة لا تُقاس فقط بمدى قدرته على حل الأزمات الطارئة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-100526-847

