كسر احتكار خدمات حجاج الخارج .. ضبط للتسعير والتسرب المالي بمسار معتمد
بعد مرور 3 قرون من الاحتكار التقليدي لمنظومة خدمات حجاج الخارج، استطاعت السعودية قبل 4 أعوام كسر النموذج، والتحول من الاعتماد على نموذج يقتصر على 9 كيانات فقط، إلى نموذج وطني رقمي حديث.
وأعادت السعودية بناء المنظومة عبر نموذج قائم على التنافسية والشفافية ورفع كفاءة الخدمات، بما يعزز تجربة ضيوف الرحمن ويرتقي بجودة الخدمات المقدمة لهم وفق أعلى المعايير العالمية. ويعد ذلك من أبرز الإصلاحات التنموية في قطاع الحج والعمرة الرامية إلى تعزيز التميز الخدمي، والرقمنة، وتنويع الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت خدمات الحجاج أكثر احترافية وجودة.
وتأتي الإصلاحات بالتزامن مع النمو المتسارع في أعداد الحجاج، حيث ارتفع عدد الحجاج في موسم حج 1445 إلى 1.83 مليون حاج، بينهم نحو 1.61 مليون حاج قدموا من خارج المملكة.
الاحتكار وتراجع جودة الخدمات المقدمة
مع ذلك، ظلت منظومة خدمات حجاج الخارج هي “مؤسسات أرباب الطوائف”، التي كانت تحتكر خدمات الوكلاء والطوافة والزمازمة والأدلة. هذا الاحتكار أدى إلى تراجع ملحوظ في جودة الخدمات المقدمة لملايين الحجاج، مع غياب المنافسة، وضعف الرقابة، وانتشار ممارسات تقليدية لم تعد تتناسب مع متطلبات العصر.
وسيطر الوسطاء الأجانب على جزء كبير من الخدمات السياحية، ما أدى إلى عشوائية في التنظيم، غياب الشفافية، تسرب اقتصادي خارجي، وارتفاع غير مبرر في التكاليف.
الترخيص لـ30 شركة وطنية عزز التنافسية
اتخذت وزارة الحج والعمرة خطوة جريئة في عام 1443، بإصدار تراخيص لأكثر من 30 شركة وطنية متخصصة، لتتنافس بشكل عادل ومهني في تقديم الخدمات. في الوقت نفسه، أعادت الوزارة تعريف الخدمات وتوصيفها بدقة، مع فرض رقابة حازمة على جميع مقدمي الخدمات، وإيقاف بعض الممارسات القديمة.
هذه الإصلاحات أسفرت عن نتائج إيجابية، تمثلت في ارتفاع ملحوظ في جودة الخدمات المقدمة، وتعزيز التنافسية بين الشركات الوطنية، إضافة إلى رفع مستوى رضا الحجاج بشكل كبير. وبذلك انتقلت المنظومة من نموذج الوساطة السياحية الاحتكارية إلى نموذج وطني رقمي مباشر يركز على تمكين الحاج، الشفافية الكاملة، التخطيط العادل، والرقابة الفعالة، مع تعظيم العوائد الاقتصادية.
ضبط التسعير عبر مسار إلكتروني معتمد
أحد أهم محاور الإصلاح أيضا، تمثل في التحول الهيكلي للشركات السياحية الدولية، حيث كان في السابق، 98% من الخدمات تدار من خلال تعاقد هذه الشركات مع شركات وطنية. ووصل عدد هذه الشركات إلى 114 شركة، ما أدى إلى ضعف الالتزام بالتعليمات، صعوبة الرقابة، وهيمنة بعض الكيانات.
أما في الوقت الحالي، فوضعت الوزارة معايير تأهيل صارمة، انخفض معها عدد الشركات السياحية الدولية إلى 19 شركة فقط، فيما ارتفع عدد الشركات الوطنية إلى أكثر من 6900 شركة. ويتوقع أن تسهم إعادة هيكلة القطاع في زيادة إسهام الشركات الوطنية في الإنفاق المرتبط بالحج، وتقليل التسرب المالي للخارج، خاصة بعد توسيع مشاركة المنشآت السعودية في خدمات الإعاشة، النقل، الإسكان، والتشغيل التقني.
تحسين الجودة وخفض التكاليف التشغيلية
يرى مختصون أن فتح السوق أمام المنافسة أدى إلى تحسين الجودة وخفض التكاليف التشغيلية على المدى المتوسط، مقارنة بالنموذج السابق الذي اتسم بتمركز الخدمات وضعف التنافسية. وأسهم ذلك في رفع مستوى الالتزام بالتعليمات التنظيمية، وتحسين التنظيم والتخطيط أثناء الموسم، ترسيخ الحوكمة وتقليص تمركز النفوذ، وتعزيز التواصل والرقابة، إضافة إلى ضبط التسعير وتعزيز الشفافية المالية عبر المسار الإلكتروني المعتمد.
في المقابل، أزيلت سلبيات سابقة مثل إضافة هامش ربح مرتفع، والدفعات خارج المسار الرسمي، والتفويج غير المنظم. وأسهمت الإصلاحات التنموية في رفع رضا حجاج الخارج إلى 91% خلال العام الماضي، مقارنة بـ 74% قبل 4 أعوام، بحسب بيانات حصلت عليها “الاقتصادية” من وزارة الحج والعمرة.
إصلاحات تعزز مستوى رضا الحجاج
وبالانتقال إلى مكتب إدارة مشاريع الحج “التنسيق المركزي”، إذ يسهم في دعم وتنسيق جهود التخطيط الشامل والمتابعة، وتقديم مصدر موثوق للمعلومات والخطط، ومتابعة مراحل التنفيذ وإدارة مؤشرات الأداء. فيما يسهم المكتب في تعزيز الترابط بين مختلف المشاريع والجهات، ما يضمن تنفيذا أكثر كفاءة وانسجاما.
وانعكست الإصلاحات على مستوى رضا الحجاج، حيث كثفت الوزارة استخدام أدوات القياس الرقمي واستطلاعات الرأي المباشرة خلال الموسم. وذلك إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لمتابعة حركة الحشود وقياس أداء مقدمي الخدمة بشكل لحظي، ما مكن من سرعة معالجة الملاحظات وتحسين كفاءة الاستجابة الميدانية.
”نسك” .. تغطية للتعاقدات والعمليات التشغيلية
ويُعد إطلاق منصة نسك نقلة نوعية في إدارة موسم الحج، إذ تدار المنصة من قبل وزارة الحج والعمرة، وتغطي جميع التعاقدات والعمليات التشغيلية للحجاج الداخليين والخارجيين. من أبرز خدمات المنصة، معالجة وإصدار التأشيرات إلكترونياً، إدارة السكن والنقل والإعاشة، خدمات الاستعداد المسبق والاستقبال في المطار، أنظمة المدفوعات الرقمية والمحافظ الإلكترونية.
وذلك إلى جانب الرقابة والمخالفات والتعويضات، إدارة التفويج والإركاب في المشاعر المقدسة، وأخيراً حجوزات الحجاج الداخل والحج المباشر. كما يستفيد من المنصة جميع الأطراف، الحجاج، مكاتب شؤون الحج، الشركات الخدمية، شركات الإعاشة والنقل، وجهات التنظيم.
طباعة 1.6 مليون بطاقة “نسك” للحجاج
وتعد بطاقة نسك إحدى أبرز الابتكارات التقنية في المنظومة، وهي بطاقة تعريفية رسمية ذكية تصدر لكل حاج وعامل، وتتضمن تقنيات أمنية متقدمة مثل هولوجرام وشرائح NFC + UHF، وسمات ظاهرة ومضمنة. وفي موسم 1446، تم طباعة أكثر من 1.6 مليون بطاقة للحجاج و90 ألف بطاقة للعاملين.
توفر البطاقة دخولا سلساً إلى المسجد الحرام والمشاعر المقدسة والمخيمات ووسائل النقل، كما تعمل كأداة إرشادية فعالة تقلل حالات التيه. وتميز البطاقة بين الحاج النظامي والمخالف، وتثري التجربة بخدمات رقمية إضافية، وتتكامل مع منصة “تصريح وأنظمة اللقاحات”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-170526-501

