حذّر أكاديميون وخبراء من أن الجامعات التقليدية، التي تتأخر في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تجد نفسها خارج المنافسة خلال السنوات القليلة المقبلة، بينما تتغيّر ملامح الوظائف والتخصصات بوتيرة غير مسبوقة. وأكّدوا أن “الخريج التقليدي” يتراجع تدريجياً أمام صعود جيل رقمي جديد، موضحين أن المختبرات الذكية في الجامعات بدأت تعيد صياغة وظائف المستقبل بعقلية رقمية، حيث إن سوق العمل لم تعد تكتفي بالتفوق الأكاديمي، بل تبحث عن خريجين يُطوّرون حلولاً ذكية، بجانب كونهم قادرين على قيادة الاقتصاد الرقمي وتطوير حلول مبتكرة ترتبط باحتياجات المستقبل في مختلف القطاعات.
وقالوا: “إن مختبرات الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات تحوّلت إلى بيئات متقدمة لصناعة الكفاءات، وإعداد طلبة يمتلكون مهارات الابتكار والتحليل المتقدم”. وأشاروا إلى أن التحوّل الذي تقوده الجامعات الإماراتية لم يعد شكلياً أو نظرياً، بل أصبح جزءاً من الحياة التعليمية اليومية، خصوصاً في التخصصات الهندسية والطبية والتقنية والإعلامية، في وقت بدأت أسواق العمل ترفع سقف المهارات المطلوبة، وتبحث عن خريجين قادرين على التعامل مع البيانات والخوارزميات والأنظمة الذكية.
وفي هذا الإطار، قال رئيس جامعة دبي، الدكتور عيسى البستكي، إن الجامعات التي لا تدمج الذكاء الاصطناعي في برامجها الأكاديمية اليوم، قد تجد نفسها خارج دائرة المنافسة خلال سنوات قليلة، موضحاً أن مختبرات الذكاء الاصطناعي تحوّلت إلى بيئات تعليمية متكاملة، تتيح للطلبة التعامل المباشر مع تقنيات التعلّم العميق والروبوتات الذكية، وتحليل البيانات، والمحاكاة الرقمية. وأضاف: “سوق العمل لم تعد تكتفي بالشهادات أو التفوق الأكاديمي، بل تركز على خريج يمتلك القدرة على تطوير حلول ذكية، والتعامل مع البيانات والتقنيات الحديثة بكفاءة عملية”.
وأشار إلى أن الجامعات دخلت مرحلة إعادة هندسة شاملة لمساراتها التعليمية، لمواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي العالمي، مع تصاعد الطلب على كفاءات تمتلك مهارات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأنظمة الذكية. ولفت إلى أن تجربة الإمارات في هذا المجال أصبحت نموذجاً متقدماً في توظيف البحث العلمي، لخدمة الاقتصاد الرقمي، خصوصاً مع وجود مؤسسات أكاديمية متخصصة، مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
وأكّد الأستاذ المساعد في علوم الحاسب، الدكتور محمود موسى، أن مختبرات الذكاء الاصطناعي باتت تُشكّل أحد الأعمدة الرئيسة في منظومة التعليم الجامعي الحديثة، بعدما تجاوز دورها حدود الدعم التقني، لتتحول إلى بيئات متقدمة لصناعة الابتكار، وإعداد الكفاءات المؤهلة لقيادة التحول الرقمي. وأوضح أن تلك المختبرات نجحت في ردم الفجوة بين الجانب النظري والتطبيق العملي، خصوصاً في مجالات الهندسة وعلوم الحاسب وتحليل البيانات، عبر توفير منصات تتيح للطلبة والباحثين التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير حلول ذكية للتحديات الواقعية.
وأضاف أن القطاع الهندسي يُعدّ من أكثر القطاعات استفادة من هذه المختبرات، لما توفره من إمكانات متقدمة في محاكاة الأنظمة المعقدة، وأتمتة عمليات التصميم، وتعزيز نماذج الصيانة التنبؤية، إلى جانب القدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق الأساليب التقليدية. وأشار إلى أن أحد أهم أدوار هذه المختبرات يتمثّل في تعزيز التكامل بين التخصصات المختلفة، خصوصاً في ملفات، مثل: المدن الذكية، والاستدامة، والتحول الرقمي، ونمذجة المناخ.
وقال نائب رئيس أكاديمية مانيبال للتعليم العالي في دبي، الدكتور س. سودهيندرا، إن مختبر “نيكسورا” للذكاء الاصطناعي في الأكاديمية يعتمد على بنية تقنية متقدمة، تشمل حوسبة عالية الأداء، وبيئات سحابية متكاملة مع خطط لإضافة محطة للحوسبة الكمية مستقبلاً، حيث يتحرك الطلبة بين شاشات المحاكاة والتطبيقات الذكية ومنصات تحليل البيانات، لتطوير مشروعات تحاكي تحديات واقعية في قطاعات متعددة. وأضاف: “يُعدّ المختبر منصة متكاملة للذكاء الاصطناعي تتيح للطلبة تحويل أفكارهم إلى تطبيقات ونماذج عملية ضمن بيئة تحاكي الواقع، إذ يضم مساحات للتعلم والتطوير والتجربة، تُمكّن الطلبة من بناء الحلول واختبارها باستخدام تقنيات متقدمة”.
وأردف: “يحتضن المختبر تطبيقات طوّرها الطلبة بالكامل، شملت شخصيات افتراضية تفاعلية، وأنظمة للتعرّف الفوري إلى الوجوه مع الحفاظ على خصوصية البيانات، وحلولاً ذكية لإدارة المخزون في قطاع التجزئة، إضافة إلى منصات لتحليل المشاعر والتحقق البيومتري عبر الصوت ومنصات تعليمية تفاعلية، بما يعكس اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي في قطاعات مختلفة”.
بدوره أكّد عميد كلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور بالاموروجان بالوسامي، أن المختبر يركز على التطبيق العملي للذكاء الاصطناعي عبر العمل على بيانات وتحديات واقعية، بما يسهم في إعداد جيل قادر على تطوير حلول تقنية مرتبطة مباشرة باحتياجات السوق. وقال خبير الذكاء الاصطناعي، الدكتور محمد عبدالظاهر، إن الإمارات نجحت في الانتقال سريعاً من مرحلة استخدام التكنولوجيا إلى مرحلة تطويرها وصناعة حلولها، مؤكداً أن مختبرات الذكاء الاصطناعي في الجامعات لم تعد مجرد مساحات تدريبية، بل تحوّلت إلى منصات لإنتاج أبحاث تطبيقية وحلول مبتكرة تخدم قطاعات الصحة والطاقة والطيران والخدمات الحكومية.
وأضاف: “الجامعات التي تتأخر في تدريس الذكاء الاصطناعي اليوم، قد تجد نفسها غداً أمام خريجين خارج احتياجات السوق، إذ إن الشركات تبحث عن كفاءات قادرة على تحليل البيانات، وتطوير الحلول الذكية، ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة”. وأوضح أن خريج المستقبل لن يعتمد على المعرفة الأكاديمية وحدها، بل سيكون مطالباً بامتلاك مزيج من المهارات التقنية والتحليلية والقدرة على الابتكار، لافتاً إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تراجع عدد من الوظائف التقليدية مقابل ظهور تخصصات ومهن جديدة فرضتها الثورة الرقمية.
وأكّدت الخبيرة التربوية المتخصصة في علوم الحاسب بكليات التقنية العليا، الدكتورة منى جابر، أن مختبرات الذكاء الاصطناعي تجاوزت دورها التقليدي كمساحات للتجارب التقنية، لتتحول إلى حاضنات لاكتشاف المواهب، وبناء الشركات الناشئة داخل الجامعات. وأضافت: “الخريج التقليدي يتراجع، بينما يفرض الخريج الرقمي حضوره بقوة”، مشيرة إلى أن أعداداً متزايدة من الطلبة باتوا يطلقون مشروعاتهم الناشئة قبل التخرج، مستفيدين من بيئات الابتكار والدعم البحثي التي توفرها الجامعات الإماراتية، وأوضحت أن ما تشهده الجامعات اليوم يتجاوز تطوير المناهج أو تحديث الأدوات التعليمية، ليصل إلى إعادة تشكيل فلسفة التعليم الجامعي نفسها، بحيث يتحول الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى منتج للمعرفة، ومبتكر للحلول.
وفي سياق متصل، أكّد خبراء وأكاديميون أن المختبرات الذكية على الرغم من دورها المتنامي في إعادة تشكيل التعليم الجامعي وإعداد الكفاءات الرقمية، فإنها تواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بسرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع كُلفة البنية التحتية التقنية، خصوصاً ما يتعلق بالحوسبة عالية الأداء، والبيئات السحابية المتقدمة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى تحديث الأنظمة والمناهج، بما يواكب التحولات المتسارعة في هذا القطاع.
وأشاروا إلى أن من أبرز التحديات أيضاً نقص الكفاءات المتخصصة القادرة على تطوير وتشغيل الأنظمة الذكية، فضلاً عن قضايا حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، لاسيما في التطبيقات المرتبطة بالتعرّف الحيوي، وتحليل البيانات الضخمة، مؤكدين أهمية تعزيز التكامل بين الجامعات وسوق العمل، لضمان تحويل المشروعات البحثية والتجارب التقنية داخل المختبرات إلى حلول عملية قابلة للتطبيق والاستثمار.
وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 60% من وظائف المستقبل ستعتمد بصورة مباشرة على مهارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بينما رفعت جامعات عالمية ميزانيات مختبرات الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ضمن سباق عالمي لإعداد كوادر تقود الاقتصاد القائم على المعرفة. وفي المقابل، عزّزت جامعات الدولة حضورها في هذا المجال، من بينها جامعة خليفة، وكليات التقنية العليا، والجامعة الأميركية في الشارقة، وجامعة حمدان الذكية، وجامعة دبي، عبر إطلاق برامج متخصصة وشراكات تقنية ومختبرات بحثية متقدمة، تستهدف تطوير مهارات الطلبة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والروبوتات.
تجاوزت قيمة سوق الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات 3.47 مليارات دولار، وسط توقعات بنمو سنوي يقترب من 44% حتى عام 2030، مع إسهام متوقع يصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، وفي موازاة هذا النمو المتسارع، تواصل الإمارات تعزيز جاهزية الكفاءات الوطنية، عبر إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية، بالتزامن مع تصاعد الطلب في سوق العمل على مهارات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : محمد إبراهيم – دبي
معرف النشر: AE-200526-62

