في قلب مكة المكرمة، وعلى إرث يمتد لأكثر من 280 عاماً، تحول وقف بدأ ببئر ماء وساحة بسيطة لسقيا الحجاج إلى مشروع صناعي حديث لإنتاج المياه، في قصة تعكس تطور الأوقاف الخيرية في السعودية من العمل التقليدي إلى الإدارة التشغيلية المتخصصة.
قال الدكتور عبد الرحمن طلال أبو النور، المدير العام للوقف، إن تكلفة إنشاء المصنع تجاوزت 20 مليون ريال، ضمن خطة لتحويل الوقف من أساليب السقيا التقليدية إلى منظومة إنتاج وتشغيل متكاملة بإدارة ذاتية.
يعود تأسيس “وقف محمد خوجه كوجك” إلى عام 1163 للهجرة (1750م)، حين كانت مكة المكرمة تواجه تحديات كبيرة في توفير المياه العذبة، مع اعتماد السكان والحجاج على الآبار والعيون المحدودة، وصعوبة نقل المياه وتوزيعها خلال مواسم الحج والعمرة.
في تلك الفترة، أطلق الواقف محمد خوجه كوجك مشروعه لسقيا المياه عبر بئر وحوش مخصصين لخدمة العطشى، واضعاً نظاماً تشغيلياً مستمراً لتوفير المياه على مدار اليوم، من خلال خادمين يتناوبان على تشغيل البئر باستخدام الثيران لاستخراج المياه، مع التأكيد على عدم رد أي طالب للماء مهما كانت صفته أو الإناء الذي يحمله.
رغم وفاة الواقف، استمرت إدارة الوقف على النهج ذاته عبر الأجيال، قبل أن يشهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة أكبر تحول في تاريخه بإنشاء “مصنع مياه الكوشك”، الذي يمثل الامتداد الحديث للوقف التاريخي.
يعمل المصنع حالياً بخطوط إنتاج حديثة بطاقة تصل إلى 22.5 ألف عبوة مياه في الساعة، تشمل أحجاما متعددة أبرزها 250 و330 ملليلتر، لتلبية احتياجات الحجاج والمعتمرين والجهات الخيرية والصحية.
لم يعد نشاط الوقف مقتصراً على سقيا عابري السبيل كما كان في بداياته، إذ يوجه حالياً ثلثا عوائده لمشاريع سقيا المياه داخل العاصمة المقدسة، وفقاً لشرط الواقف، بما يشمل خدمة الحجاج والمعتمرين والمصلين في المنطقة المركزية والمشاعر المقدسة، إضافة إلى دعم المساجد والجمعيات الخيرية، وتوفير المياه للحالات الإنسانية والمرضى، والمساهمة في خدمة عدد من المنشآت الصحية ومراكز غسيل الكلى.
وخلال نحو ثلاث سنوات منذ تشغيل المصنع، تمكن الوقف من إنتاج وتوزيع أكثر من 61.5 مليون عبوة مياه، في تطور يجسد انتقال الوقف من بئر صغيرة في مكة القديمة إلى منشأة صناعية حديثة لسقيا الحجاج.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 9
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-270526-728

