سوق سوداء للوصول إلى Claude في الصين رغم قيود أنثروبيك
تواصل شركة أنثروبيك الأميركية تشديد القيود على استخدام مساعدها الذكي “كلود” Claude داخل الصين، لكن المستخدمين والشركات الصينية يواصلون ابتكار وسائل جديدة، ما أدى إلى ظهور سوق سوداء متنامية وخدمات وسيطة تتيح الوصول إلى نماذج الشركة رغم الحظر.
وبحسب تقرير نشرته مجلة WIRED، تبذل أنثروبيك جهوداً واسعة لمنع المستخدمين في الصين من الوصول إلى نماذجها للذكاء الاصطناعي، غير أن هذه الإجراءات لم تحقق نجاحاً كاملاً حتى الآن. وخلال العام الماضي، طورت شركات ناشئة وباحثون واهتمامات تقنية داخل الصين أساليب أكثر تعقيداً للوصول إلى كلود، الذي يراه كثيرون هناك أفضل مساعد ذكاء اصطناعي متاح حالياً.
وفي مطلع يونيو الجاري، أطلقت أنثروبيك نموذج Fable 5، وهو نسخة مؤمنة من نموذجها الأقوى Mythos، ما أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، حيث تبادل المستخدمون انطباعاتهم وتجاربهم معه. إلا أن الشركة أوقفت إتاحته عالمياً بعد أيام قليلة استجابةً لقيود تصدير فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثم عاودت السماح بالإتاحة التدريجية.
قيود أشد من المنافسين
وعادة ما يتمكن المستخدمون الصينيون من الوصول إلى أدوات ذكاء اصطناعي غربية أخرى مثل ChatGPT عبر شبكات VPN وأرقام هواتف أجنبية ووسائل دفع دولية. لكن أنثروبيك تتبع سياسة أشد تشدداً، إذ تحظر الحسابات التي تشتبه في إدارتها من داخل الصين حتى لو استخدم أصحابها تلك الوسائل.
ويشكو مستخدمون صينيون بشكل متكرر عبر منصات التواصل المحلية من تعليق حساباتهم في كلود دون إنذار مسبق، رغم اتخاذهم احتياطات متعددة لإخفاء مواقعهم الحقيقية.
وأدى هذا الصراع المستمر إلى نشوء اقتصاد غير رسمي كامل حول الوصول إلى كلود داخل الصين، حيث تباع حسابات Claude عبر منصات التجارة الإلكترونية الصينية مثل “تاوباو” Taobao، كما تُتداول عبر أسواق غير قانونية على “تليجرام”.
وخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت أيضاً خدمات تعرف باسم محطات التحويل أو محطات الترحيل، وهي منصات وسيطة تشتري صلاحيات استخدام واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بأنثروبيك من خارج الصين، ثم تعيد توزيع رموز الوصول إلى المستخدمين داخل البلاد.
وتهدف هذه الخدمات إلى توفير وصول أكثر استقراراً للشركات الناشئة والمطورين المحترفين الذين يعتمدون على كلود في أعمالهم اليومية.
وقال مايكل أسيمن، المتحدث باسم أنثروبيك، إن الشركة تستخدم مجموعة متطورة من أنظمة الكشف والتحقق من الهوية لمنع الوصول غير المصرح به إلى كلود، مشيراً إلى أنها تعمل أيضاً على رصد وتعطيل الشبكات الوسيطة التي توفر الخدمة للمستخدمين داخل الصين.
ورغم القيود المتزايدة، لا يزال كلود يحظى بشعبية واسعة داخل الصين، خصوصاً بين المبرمجين ومهندسي البرمجيات.
وأشار التقرير إلى أن نماذج صينية متقدمة مثل DeepSeek وZ.ai أصبحت من أقوى النماذج مفتوحة المصدر عالمياً، إلا أن اختبارات مستقلة لا تزال تُظهر تفوق النماذج المغلقة الرائدة مثل كلود في عدة مجالات، وخاصة البرمجة وتوليد الأكواد.
وخلال زيارة ميدانية أجرتها WIRED إلى الصين، أكد أكاديميون ومهندسون في شركات تقنية متعددة أنهم يفضلون استخدام كلود على البدائل الصينية عند كتابة البرمجيات، وأنهم يحرصون على تجربة كل إصدار جديد تطلقه أنثروبيك.
وقال زيلان تشيان، الباحث المشارك في مختبر أكسفورد للسياسات الصينية، إن المطورين الصينيين يفضلون بوضوح أدوات مثل Claude Code وCodex التابع لشركة OpenAI مقارنة بالأدوات المحلية.
وأضاف أن التحليلات تشير إلى أن النماذج الصينية لا تزال متأخرة بنحو ستة إلى تسعة أشهر عن النماذج الأميركية المتقدمة، موضحاً أن الفجوة تظهر بشكل خاص في مجالات البرمجة والتطوير.
من جهته، قال مات شيهان، الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي والمتخصص في سياسات الذكاء الاصطناعي الصينية، إن صناع القرار والخبراء التقنيين في الصين لا يرون مشكلة كبيرة في الاستفادة من الأفكار أو المنتجات الأميركية رغم التنافس الجيوسياسي بين البلدين.
وأضاف أن الأميركيين هم الأكثر ميلاً إلى النظر إلى الأفكار والمنتجات القادمة من المنافسين باعتبارها مشبوهة أو غير موثوقة.
مخاوف أمنية
ويعتبر داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لأنثروبيك، أن وصول الصين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.
واتهمت أنثروبيك قبل أيام شركة “علي بابا” باستخدام مخرجات كلود لتدريب نماذجها المنافسة عبر تقنية تعرف باسم التقطير Distillation، كما سبق للشركة أن وجهت اتهامات مشابهة لشركات صينية أخرى خلال فترات سابقة.
ولهذه الأسباب الأمنية وغيرها، لا توفر أنثروبيك خدمات كلود التجارية داخل الصين، كما تمنع وصول الشركات التابعة للمجموعات الصينية حتى إذا كانت تعمل خارج الأراضي الصينية.
“محطات التحويل”
وساهمت الطفرة الكبيرة في استخدام الوكلاء الذكيين AI Agents داخل الصين خلال الأشهر الماضية في زيادة الطلب على كلود وأدوات البرمجة المتقدمة.
وتستهلك هذه الأنظمة كميات ضخمة من الرموز البرمجية مقارنة بجلسات المحادثة التقليدية، ما جعل الوصول المستقر والرخيص إلى كلود ضرورة للمطورين والشركات.
ومن هنا برزت محطات التحويل، التي تعمل عبر خوادم موجودة في دول تدعم خدمات أنثروبيك، وعوضاً عن تسجيل الدخول إلى كلود مباشرة، يرسل المستخدم استفساراته إلى موقع محلي يتولى تمريرها إلى أنثروبيك عبر حسابات أو مفاتيح API خارج الصين، ثم يعيد النتائج إلى المستخدم.
وتوفر هذه الخدمات عادة أسعاراً أقل من الأسعار الرسمية لأنثروبيك، بفضل حصولها على خصومات مؤسسية أو تراخيص خاصة من موزعين معتمدين.
وأدى انتشار هذه الخدمات إلى ظهور مواقع إلكترونية وصفحات على GitHub باللغة الصينية تقارن بين عشرات محطات التحويل المختلفة وأسعار الرموز والنماذج المتاحة.
كما دخل الملياردير الصيني الشهير في مجال العملات المشفرة جاستن صن، هذا المجال، وأطلق محطة تحويل خاصة به خلال مايو الماضي.
وترى WIRED أن الحجم الكبير للمستخدمين الصينيين الذين يصلون إلى كلود عبر وسطاء وشبكات تحويل قد يكون أثر حتى على الإحصاءات العالمية الخاصة باستخدام الخدمة.
وتعد سنغافورة الوجهة الأكثر استخداماً لإخفاء المواقع الجغرافية الحقيقية للمستخدمين الصينيين أو تمرير حركة البيانات عبرها.
وبحسب البيانات المنشورة من أنثروبيك، تظهر سنغافورة، التي لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، ضمن الدول الأعلى عالمياً في تبني كلود مقارنة بعدد السكان، بينما تظل الولايات المتحدة أكبر سوق للخدمة بفارق كبير.
تحقق إجباري
وفي أبريل الماضي، اتخذت أنثروبيك خطوة إضافية لتشديد الرقابة، عبر فرض التحقق من الهوية على بعض المستخدمين.
وتتم العملية عبر شركة Persona المتخصصة في التحقق الرقمي، والتي تطلب من المستخدمين رفع وثائق رسمية مثل جواز السفر أو رخصة القيادة أو بطاقة الهوية الوطنية قبل السماح لهم باستخدام كلود.
ولا تقبل الشركة الوثائق الصادرة من الدول غير المدعومة، كما يمكن حظر الحسابات التي تفشل في اجتياز عملية التحقق، ويشبه هذا الإجراء متطلبات اعرف عميلك KYC المستخدمة في المؤسسات المالية.
ومع تشديد هذه القيود، تحول نشاط السوق السوداء من بيع الحسابات وواجهات البرمجة إلى بيع هويات مزيفة أو حسابات اجتازت بالفعل إجراءات التحقق.
مخاطر متزايدة
ويرى التقرير أن محاولات أنثروبيك المستمرة لمنع الوصول من الصين قد لا تنجح بالكامل؛ طالما أن النماذج لا تزال متاحة للجمهور في دول أخرى، فالمستخدمون المتمرسون سيواصلون إيجاد طرق بديلة، بينما ستوفر الأسواق غير الرسمية حلولاً جاهزة للمستخدمين الأقل خبرة.
لكن هذه الحلول تأتي مع مخاطر كبيرة، إذ قد يتعرض المستخدمون لعمليات احتيال من البائعين على “تليجرام”، كما أن البيانات الحساسة والاستفسارات التي تمر عبر محطات التحويل قد يتم جمعها أو إعادة بيعها إلى أطراف أخرى دون علم المستخدمين.
وأشار التقرير إلى تحذيرات من أن استمرار هذا النوع من البنية التحتية غير الرسمية سيطرح تحديات جديدة أمام جهود سلامة الذكاء الاصطناعي، وتساءل عن كيفية مراقبة الجهات الخبيثة ومنعها من استغلال هذه الشبكات في أنشطة ضارة مستقبلاً.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : الشرق
معرف النشر: TECH-280626-702

