أسلوب حياة

لماذا يلدغ البعوض بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

1644f592 4a93 4c6d 8d6a acd1b386cc98 file.jpg

لماذا يلدغ البعوض بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

يستشعر البعوض، قبل أن يقترب منا بوقت طويل، بعض الإشارات التي تطلقها أجسامنا من مسافات بعيدة، فهل أنت من بين الأهداف المفضلة لهذه الحشرات مصاصة الدماء؟

أنا من بين الأشخاص الذين ينجذب إليهم البعوض دائماً، فأينما ذهبت لقضاء عطلة صيفية في مختلف أنحاء العالم، يبقى شيء واحد مؤكداً بالنسبة لي: سأتعرض حتماً للدغ البعوض، وستكون اللدغة كبيرة وتسبب حكة في الجلد تلازمني آثارها لأسابيع.

وفي المقابل، لا يعاني بعض المرافقين لي من أي شيء، وقد لا يتعرضون للدغة واحدة، وحتى من يتعرضون للدغ لا يظهر عليهم غالباً سوى أثر بسيط على شكل نقطة حمراء صغيرة. لذلك كان أصدقائي يمزحون معي قائلين إن دمي لا بد أنه “جاذب للبعوض”.

وتبين أن في هذا الاعتقاد شيئاً من الصحة، إذ تطلق أجسامنا إشارات بيولوجية، من بينها الزفير أثناء التنفس ورائحة الجسم، تكشف مدى قابلية الفرد للتعرض للدغ، وبالنسبة لبعض الأشخاص تكون هذه الإشارات شديدة الجاذبية إلى درجة لا يقاومها البعوض. وفيما يلي ثلاث وسائل تعتمد عليها هذه الحشرات في تتبع الأشخاص للدغهم.

ثاني أكسيد الكربون علامة على قرب اللدغ

لا تلدغ البشر سوى أنثى البعوض، لأنها تنجذب إلى دمائهم لما يوفره لها من بروتين ضروري لنمو البيض. وتعتمد على إشارات بصرية وشمية لتحديد هدفها من مسافة تقارب عشرة أمتار، ومن بين هذه الإشارات أيضاً ثاني أكسيد الكربون الذي يطلقه الجسم أثناء الزفير ومن خلال الجلد.

هذا الزفير يرسل إشارة من ثاني أكسيد الكربون إلى البعوض، ما ينشط ما يعرف بـ “سلوك البحث عن مضيف” في حاسة الشم لديه، ولذلك يكون البالغون أكثر جذباً للبعوض من الأطفال، لأنهم يطلقون كميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون.

كما ينجذب البعوض إلى مصادر غير بشرية تطلق ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل الثلج الجاف وأسطوانات ثاني أكسيد الكربون وسائل فعالة في اصطياده.

حرارة الجسم تزيد انجذاب البعوض

خلصت دراسات إلى أن البعوض ينجذب أيضاً إلى الحرارة والرطوبة، كما أن ثاني أكسيد الكربون يعزز هذا الانجذاب إلى الحرارة.

وبناء على ذلك، تكون الحوامل أكثر جذباً للبعوض بمرتين مقارنة بغير الحوامل، ويُعزى ذلك إلى أن الحمل يزيد متطلبات التمثيل الغذائي والتنفس، ما يؤدي إلى زفير يطلق كميات أكبر من الحرارة وثاني أكسيد الكربون. ويقول ستيف ليندسي، أستاذ علم حشرات الصحة العامة في جامعة دورهام بالمملكة المتحدة: “لديك في جسمك ما يشبه الفرن الصغير، أنت أكثر دفئاً”.

كما يعد الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً بدنياً الأكثر جذباً للبعوض بصورة مؤقتة، خاصة أثناء المجهود وبعده مباشرة، بسبب زيادة متطلبات التمثيل الغذائي وما تسببه من إطلاق أكبر لثاني أكسيد الكربون، وارتفاع حرارة الجسم والتعرق. وقد يجذب الأشخاص الأكبر حجماً البعوض أيضاً، لأنهم عادة يطلقون حرارة أكثر، إضافة إلى كميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون أثناء الزفير.

الجلد يطلق رائحة تجذب البعوض

عندما يقترب البعوض إلى بُعد نحو عشرة أمتار، يتعرف على ضحاياه عبر إشارات، من بينها رائحة الجلد. ويقول ليندسي: “الرائحة، هي جوهر الأمر”، مضيفاً أن “المواد الكيميائية الصغيرة شديدة التطاير هي التي تصنع فارقاً، فالبعوض يعيش في عالم كيميائي”.

وينفي ليندسي وعلماء آخرون الاعتقاد الشائع بأن أصحاب “الدم الجاذب للبعوض” هم الأكثر عرضة للدغ، إذ ينجذب البعوض إلى “رائحة الجلد” الخاصة بكل شخص. ويمكن لميكروبيوم الجلد أن يحلل الكربوهيدرات والأحماض الدهنية والببتيدات الموجودة على سطح الجلد إلى مركبات عضوية متطايرة، وهي مواد تتبخر بسهولة ويستطيع البعوض التمييز بينها، ويحتوي جلد الإنسان على أكثر من 500 مركب عضوي متطاير.

كما ينجذب البعوض طبيعياً إلى الأمونيا وحمض اللاكتيك على سطح الجلد، ويعزز وجود الأحماض الكربوكسيلية هذا الانجذاب. واستطاع باحثون في جامعة روكفلر في الولايات المتحدة تحليل رائحة جلد 64 شخصاً ارتدوا أكماماً مصنوعة من النايلون لمدة ست ساعات، وأُتيح للبعوض الاختيار بين عينات النايلون التي لعبت دور “أداة لجمع الروائح”، وأظهرت النتائج تفضيل البعوض الواضح لرائحة أشخاص لديهم مستويات أعلى من الأحماض الكربوكسيلية.

المواد الكيماوية ذات الرائحة تطرد البعوض

كما رصد الباحثون درجة للجاذبية لدى كل شخص، وتبين أن أعلى درجة للجاذبية كانت تفوق أدنى درجة بمقدار 100 مرة، وظلت هذه الفروق ثابتة عبر سنوات، بغض النظر عن التغيرات التي طرأت على نمط حياة الشخص. ويقول ليندسي: “مستوى الجاذبية النسبي لديك (للبعوض) يظل ثابتاً إلى حد كبير”.

كما يمكن لميكروبيوم الجلد أن يؤثر في مدى جاذبيتنا للبعوض، إذ خلص باحثون من جامعة فاخينينغن في هولندا إلى أن الأشخاص الأكثر جذباً لبعوض الملاريا لديهم تجمع بكتيري مختلف على سطح الجلد، مقارنة بالأقل جذباً، وهو تجمع أكثر غزارة وأقل تنوعاً.

والسبب المرجح أن بكتيريا الجلد تؤدي دوراً مهماً في إطلاق رائحة الجسم، كما أن عرق الإنسان يكون عديم الرائحة لحاسة الشم لدى الإنسان في غياب البكتيريا. وأظهرت دراسات على التوائم أن التوائم المتطابقة تجذب البعوض بالمستوى نفسه، بينما تختلف التوائم غير المتطابقة في ذلك، ما يشير إلى أن الرائحة التي تؤثر في “قابلية التعرض للدغ البعض” ربما تحمل صفة وراثية.

تفاوت لدغ البعوض

تتفاوت استجابة الأشخاص للدغ البعوض كثيراً، إذ كشفت دراسة على مستوى الجينوم عن وجود علاقة وراثية قوية بين جينات جهاز المناعة في أجسامنا وبين كيفية استجابة الجسم للدغ البعوض. واللافت أن هذه المناطق الجينية تتداخل مع المناطق المرتبطة بالإصابة بالحساسية.

كما أن وجود استعداد لاستجابة أكبر وأقوى للدغ البعوض، من حيث الحجم وشدة حك الجلد، قد يؤثر في تصور الشخص بأنه “جاذب للبعوض”. وتقول هيذر فيرغسون، أستاذة علم الحشرات الطبية في جامعة غلاسكو في اسكتلندا: “يعتقد بعض الأشخاص أنهم يتعرضون للدغ البعوض أكثر لأن استجابتهم أكبر، في حين قد يتعرض آخرون للدغ متكرر لكنهم بالكاد يظهرون أي استجابة”.

وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص قد يكونون أهدافاً سهلة للبعوض من الناحية البيولوجية، فلا أحد يستطيع الإفلات تماماً من مستشعراته. وتقول فيرغسون: “حتى إن كنت تعتقد أنك لا تتعرض للدغ البعوض، ينبغي أن تحمي نفسك”.

ماذا تفعل لتحمي نفسك من لدغ البعوض؟

تجيب فيرغسون عن هذا السؤال بالإشارة إلى وجود “أدلة محدودة أو غير حاسمة” على أن تناول الثوم أو استخدام مكملات فيتامين “ب” قد يساعد في التصدي للبعوض، وتنصح باستخدام مستحضرات طاردة للحشرات ذات فعالية، إلى جانب ارتداء أكمام طويلة وسراويل معالجة بمبيدات حشرية.

وتعد تغطية الجسم أمراً بالغ الأهمية، لأن لدغ البعوض يتركز في الأطراف المكشوفة، كما تتراجع فعالية الحماية بفعل التعرق والوقت، لذا فإن إعادة وضع مستحضرات طاردة للحشرات بانتظام أمر ضروري.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : https://www.facebook.com/bbcnews BBC Logo
معرف النشر: LIFE-110726-16

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 52 ثانية قراءة