ثقافة وفن

في ذكرى رحيله “الشرق” ترصد هاجس العمر في شعر غازي القصيبي

6b03e986 ee72 4518 8663 567a15acc640 file.jpg

في ذكرى رحيله ترصد “الشرق” هاجس العمر في شعر غازي القصيبي

في 15 أغسطس 2010، رحل الدبلوماسي والأديب غازي القصيبي عن عمر ناهز السبعين عاماً، بعد أن أمضى حياته بين السياسة والإدارة والأدب.

ويبدو أن العمر كان هاجساً يلاحقه منذ وقت مبكر، إذ انعكس ذلك بوضوح في تجربته الشعرية، حيث تكشف قصائد عدة انشغاله بمرور السنين، وكأنه كان يؤرخ لمراحل عمره بالشعر، متوقفاً عند كل عقد ليتأمل ما مضى وما هو آتٍ.

وفي الذكرى السادسة عشرة لرحيله، رصدت “الشرق” حضور العمر في تجربته الشعرية، منذ قلق العشرين، مروراً بالأربعين والخمسين والستين، وصولاً إلى السبعين، المحطة الأخيرة في حياته.

قلق العشرين

بدأ انشغال القصيبي بالعمر مبكراً، ففي مطلع العشرينيات من عمره كتب عن الشيب وهو لا يزال شاباً، مستحضراً صورة النهاية فقال:

“الشعرات السود في مفرقي
تحجب عنك الخافق الأشيبا
والشمس في الأفق لكنني
ألمح خلف المشرق المغربا”

ورغم هذا القلق المبكر، كانت سنواته اللاحقة من أكثر مراحل حياته تألقاً ونجاحاً.

غياب الثلاثين

لم تحضر الثلاثون بوضوح في شعر القصيبي كما حضرت العقود الأخرى، ربما لانشغاله بالتحولات الوظيفية الكبرى في حياته، التي أوصلته لاحقاً إلى كرسي الوزارة وهو في منتصف الثلاثينيات من عمره.

حصار الأربعين

يبدو أن نصيب الثلاثين من شعر القصيبي نالته الأربعون، التي وصفها بالحصار، إذ حضرت بقوة في تجربته الشعرية. فمرة يحكي معاناته في مواجهة الأربعين قائلاً:

“وها أنذا أمام الأربعين
يكاد يؤودني حمل السنين
أطالع في المودع من شبابي
كما نظر الغريب إلى السفين”

ومرة يخاطب ابنته يارا في قصيدته “يارا والشعرات البيض” قائلاً:

“مالت على الشعرات البيض تقطفها
يارا وتضحك.. لا أرضي لك الكِبَرا
يا دميتي حاصرتني الأربعون مُدى
مجنونة وحراباً أدمت العمرا”

وأخرى يتساءل عما بقي له من عمر في هذه الحياة:

“واليوم جاء الخريف الفض يسألني
متى رحيلك؟ كم تنوي البقاء هنا؟
وأقبلت من وراء الشيب هامسة
مدائن الغيب هيا.. فاللقاء دنا!
والأربعون عويل ملء أوردتي
وفي شفاهي يبكي الصيف واللبنا”

لوعة الخمسين

ازدادت وطأة السنين على القصيبي حين بلغ الخمسين، وبدأت آثارها تظهر على ملامحه، من اشتعال الشيب في رأسه إلى انحسار الشعر، فصارت علاقته بالعمر أكثر صراحة في شعره، فقال عن الخمسين:

“خمسون صبت لك الأقداح مترعة
ونادمتك فأنت الري والشبع
خمسون دبت إلى الفودين فاشتعلا
وحرقة الرأس فيه الشيب والصلع”

ولا تنتهي مواجهة الخمسين عند الشيب والصلع، بل يخاطبها مجدداً متسائلاً بنبرة يأس:

“أيرجع الصيف والخمسون مطبقة
عليّ لا رحمة أبدت ولا ندما”

غواية الستين

عند الستين، تغيرت نبرة الحوار مع العمر، فلم تعد المسألة مقتصرة على الخوف من انقضاء السنوات، بل ظهرت مفارقة بين استمرار الرغبة في الحياة وإدراك تقدم السن. وحين نازعته شهوة الحياة مجدداً في هذا العمر، حاول أن يكبحها بتذكير نفسه بالكهولة، فقال:

“برزتِ في عاميَ الستين تغويني
يا نشوة العيش يا أحلى الشياطين
يا أيها الكهل أيام الصبا هربت
هل كنت تحسبها بعض المساجين”

ثم يخاطب نفسه:

“يا أيها الكهل لا تحلم بفاتنة
حلم الصحاري بحقل من رياحين”

حديقة الغروب

في الخامسة والستين، كتب القصيبي قصيدته الشهيرة “حديقة الغروب”، وهي من أكثر قصائده التصاقاً بفكرة العمر والرحيل، وبدت كلوحة استعرض فيها حياته وتجاربها، متنقلاً بين الحب والوطن والموت والشيخوخة والوهن والمناجاة، بنبرة أكثر تصالحاً مع فكرة النهاية.

وفيها يقول:

“خمس وستون في أجفان إعصاري
أما سئمت ارتحالاً أيها الساري
أما مللت من الأسفار ما هدأت
إلا وألقتك في وعثاء أسفارِ
بلى اكتفيت وأضناني السُرى وشكا
قلبي العناء، ولكن تلك أقداري”

وتبدو القصيدة أقرب إلى مراجعة لمسيرته الطويلة في الحياة، إذ استعاد فيها ما مضى من التجارب بنبرة منهكة.

سيدتي السبعون

وحين حلت السبعون، وكانت المحطة الأخيرة التي أناخ بها القصيبي راحلته وترجّل عن صهوة الحياة، خاطب نفسه متسائلاً بمزيج من الدهشة والتسليم والرجاء، ثم خاطب السبعين معتذراً عن عدم قدرته على الاحتفال بقدومها، فقال:

“ماذا تريد من السبعين يا رجل
لا أنت أنت ولا أيامك الأول
جاءتك حاسرة الأنياب كالحة
كأنما هي وجه سله الأجل”

وفي مخاطبة السبعين قال:

“أواه سيدتي السبعون معذرة
إذا التقينا ولم يعصف بي الجذل
أواه سيدتي السبعون معذرة
بأي شيء من الأشياء نحتفل”

إلى أن قال:

“تبارك الله قد شاءت إرادته
لي البقاء فهذا العبد ممتثل”

العمر الذي ترك أثراً

ترك غازي القصيبي خلفه إرثاً أدبياً وفكرياً زاخراً، بدأت بواكيره مبكراً، إذ كانت بداياته الشعرية في الثانية عشرة من عمره، وفي التاسعة عشرة نشر أول دواوينه الشعرية بعنوان: “أشعار من جزائر اللؤلؤ”.

ثم زاخرت مسيرته بنحو 70 كتاباً توزعت بين الشعر والرواية والفكر والإدارة، برز من بينها روايته الشهيرة “العصفورية” التي صُنفت ضمن أفضل الروايات العربية، كما تغنى بقصائده كبار الفنانين.

رحل القصيبي، الذي لمح غروب العمر وهو في العشرين، وحين بلغ السبعين جاء معتذراً، بعد رحلة امتدت لخمسة عقود ظل خلالها يجيب عن سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: ماذا يفعل الإنسان بهذا العمر؟

لكن إجابته لم تكن في الشعر وحده، بل في حجم ما تركه خلفه من إنجازات وأثر.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : حسن رحماني Asharq Logo
معرف النشر : CULT-170826-118

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 49 ثانية قراءة