«طريقة الأكل» و«أسلوب الكلام» على القائمة.. خلافات زوجية بنكهة عصرية
أفادت رئيسة قسم الدعم الاجتماعي في إدارة حقوق الطفل والمرأة بالإدارة العامة لحقوق الإنسان في شرطة دبي، فاطمة الكندي، بأن طبيعة الخلافات الأسرية شهدت تغيراً واضحاً، خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد المشكلات التقليدية الأكثر حضوراً، بل برزت أنماط جديدة فرضها التطور التقني ووسائل التواصل الاجتماعي.
وحذّرت من أن العصبية، وضعف القدرة على احتواء المواقف اليومية البسيطة، والخجل من الإفصاح، تعد من أبرز الأسباب التي تدفع كثيراً من الخلافات الزوجية إلى مراحل متقدمة قد تنتهي بالانفصال، لافتة إلى أن عدداً من الحالات، التي تعاملت معها على مدار سنوات طويلة، لم يبدأ بسبب مشكلات جوهرية، وإنما نتيجة تفاصيل بسيطة تضخمت مع الوقت بسبب سوء التواصل والانفعال.
وكشفت الكندي، خلال حديثها في بودكاست شرطة دبي، عن نماذج واقعية لحالات عايشتها، من بينها زوجة أصرت على إنهاء حياتها الزوجية لأنها لم تعد تحتمل طريقة تناول زوجها للطعام، وأخرى تحولت مشكلتها مع زوجها إلى أزمة كبيرة، بعدما تعطلت سيارتها واتصلت به طالبة المساعدة، لكنه اعتذر لانشغاله في اجتماع، ففسرت اعتذاره على أنه تخاذل وعدم اهتمام.
واستعرضت الكندي، التي أمضت أكثر من 20 عاماً في العمل الاجتماعي، أبرز التحولات التي شهدتها طبيعة النزاعات الأسرية، مستندة إلى عشرات الوقائع الإنسانية التي مازالت تحتفظ بها ذاكرتها، من بينها قصة طفل في الـ12 من عمره، طرده والده من المنزل في لحظة انفعال، قبل أن يندم الأب على تصرفه، ويبادر بالبحث عنه في اليوم التالي، بينما بقيت في ذاكرة الابن عبارة واحدة لم تستطع الكندي نسيانها: «لن أسامح أبي على هذا الموقف».
المشكلات تغيرت
وتفصيلاً، ذكرت الكندي، خلال استضافتها في بودكاست شرطة دبي، أن طبيعة المشكلات الأسرية تغيرت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ليس لأن الخلافات أصبحت أكثر تعقيداً، وإنما لأن قدرة البعض على استيعاب المواقف اليومية والتعامل معها بهدوء أصبحت أقل، ما يجعل خلافات بسيطة تتطور سريعاً إلى نزاعات يصعب احتواؤها.
وأكدت أن كثيراً من الأزواج والزوجات يصلون إلى مرحلة طلب الانفصال نتيجة أسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار أو التفاهم، مستشهدة بحالة لزوجة قررت عدم الاستمرار مع زوجها لأنها لم تعد تحتمل طريقة تناوله للطعام.
وأوضحت أنها سألتها عما إذا كانت قد تحدثت معه بهدوء أو حاولت لفت انتباهه إلى الأمر، إلا أن الزوجة أكدت أنه لم يستجب، وأنها لم تعد قادرة على التحمل.
وقالت الكندي إن مثل هذه المواقف تؤكد أن الحياة الزوجية تحتاج إلى سعة صدر، وقدرة على التكيف مع الطباع المختلفة، موضحة أن «كل مشكلة لها علاج»، وأن اللجوء إلى إنهاء العلاقة يجب ألا يكون الخيار الأول لمجرد خلافات يمكن احتواؤها.
وأضافت أن المختص الاجتماعي لا يستمع إلى طرف دون الآخر، وإنما يفهم جميع أبعاد المشكلة، مشيرة إلى أن كثيراً من الأسر تلجأ في البداية إلى الأقارب أو كبار العائلة، إلا أن العاطفة كثيراً ما تؤثر في تقييم المواقف، إذ يميل أهل الزوج إلى الانتصار لابنهم، بينما يقف أهل الزوجة إلى جانب ابنتهم، وهو ما يجعل الوصول إلى حل متوازن أكثر صعوبة.
وأوضحت أنها كثيراً ما تُسأل عن كيفية المحافظة على الحياد، خصوصاً في القضايا التي يمتلك فيها أحد الطرفين قدرة أكبر على الإقناع، مؤكدة أن استمرارها لأكثر من 20 عاماً في هذا المجال ما كان ليتحقق لو أنها كانت تنحاز إلى طرف على حساب الآخر، «لأن أساس العمل الاجتماعي هو النظر إلى الوقائع بعيداً عن التأثر بالعواطف أو الانطباعات الشخصية».
«الأمن الأسري»
وأكدت أن مفهوم الأمن الأسري يمثل أحد أهم المحاور التي تعمل عليها شرطة دبي، لأنه يرتبط بصورة مباشرة باستقرار المجتمع، موضحة أن الأمن الأسري لا يعني مجرد غياب الخلافات، وإنما شعور أفراد الأسرة بالسكينة والطمأنينة، وأن يدرك كل فرد مسؤولياته وحقوقه داخل الأسرة، بما ينعكس على المجتمع بأكمله.
وأشارت إلى أن شرطة دبي كانت من الجهات السبّاقة في تبني هذا المفهوم، انطلاقاً من قناعة بأن الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع، وأن استقرارها يمثل أحد أهم عناصر الأمن المجتمعي، مضيفة أن مراكز الشرطة غالباً ما تكون أول جهة تقصدها الأسر عند تفاقم المشكلات، الأمر الذي يجعل تحقيق التوازن بين تطبيق القانون والحفاظ على تماسك الأسرة مسؤولية كبيرة تضطلع بها الإدارة العامة لحقوق الإنسان.
وتابعت أن تحقيق الأمن الأسري يبدأ قبل الزواج، من خلال حسن اختيار شريك الحياة، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتعزيز دور الأسرة في التنشئة، إلى جانب تكامل أدوار المؤسسات المعنية بالأسرة، مؤكدة أن التوافق بين الزوجين يمثل حجر الأساس في بناء أسرة مستقرة قادرة على تنشئة أبناء أسوياء يخدمون مجتمعهم.
وذكرت الكندي أن بناء أسرة مستقرة لا يتوقف عند اختيار شريك الحياة، وإنما يمتد إلى طريقة التعامل مع الأبناء، معتبرة أن «كثيراً من الآباء يخلطون بين توفير الاحتياجات المادية والتربية الحقيقية».
واجبات الآباء
وقالت إن «بعض الآباء يعتقدون أن أداء واجبهم يقتصر على الإنفاق وتوفير الطعام والملبس والسفر، ثم يذكّرون أبناءهم بذلك باستمرار، بينما تغيب عنهم الجوانب الأهم، المتمثلة في غرس القِيَم، وبناء الشخصية، وإعداد الأبناء لتحمل مسؤوليات الحياة».
وأضافت أن «الطفل يحتاج إلى الوقت بقدر حاجته إلى الطعام والشراب، وإلى الرحمة بقدر حاجته إلى التوجيه»، موضحة أن «بعض الآباء ينسون الفارق العمري والخبرات مع أبنائهم، فيتعاملون مع الطفل كما لو كان راشداً يدرك ما يدركونه».
وشددت على أن اللين والرحمة في لحظات الخطأ يصنعان فارقاً كبيراً في شخصية الأبناء، مستذكرة أن أباً طرد ابنه، الذي لم يتجاوز الـ12 من عمره، من المنزل في لحظة غضب، قبل أن يندم في اليوم التالي، ويبدأ رحلة البحث عنه، ومع أنه تمكن من إعادته، فإن آثار تلك الليلة لم تغادر نفس الطفل.
وقالت إنها جلست مع الطفل بعد الواقعة، ولاتزال تتذكر العبارة التي قالها لها حتى اليوم: «لن أسامح أبي على هذا الموقف»، مؤكدة أن ساعات قليلة خارج المنزل كانت كافية ليتعرض خلالها لمواقف وتجارب تركت أثراً نفسياً سيلازمه سنوات طويلة.
وأكدت أن كثيراً من الآباء لا يدركون أن كلمة أو تصرفاً يصدر في لحظة انفعال قد يترك جرحاً يستمر سنوات، لذلك فإن التحكم في الغضب ليس مجرد سلوك شخصي، بل مسؤولية أسرية تحمي الأبناء من آثار نفسية قد يصعب علاجها لاحقاً.
احترام الوالدين
وفي المقابل، شددت على أن مسؤولية الحفاظ على استقرار الأسرة لا تقع على عاتق الآباء وحدهم، بل تشمل الأبناء أيضاً، مؤكدة أن احترام الوالدين يظل من أهم القيم التي يجب ترسيخها داخل الأسرة.
وقالت إنها تعاملت مع حالات كثيرة لآباء وأمهات تقدم بهم العمر، كانوا يعانون ألماً شديداً بسبب إساءة بعض الأبناء أو تجاهلهم، موضحة أن الابن قد ينسى خطأً بسيطاً صدر من والده أو والدته وسط سنوات طويلة من الرعاية والعطاء، لكن الأب أو الأم يصعب عليهما نسيان كلمة جارحة أو موقف مؤلم من أحد الأبناء، خصوصاً في مرحلة الكبر.
وأضافت أن كبار سن كثيرين يشكون التهميش، وعدم إشراكهم في شؤون الأسرة أو التقليل من قيمة آرائهم، رغم أنهم لا ينتظرون بالضرورة أن يؤخذ برأيهم في كل شيء، بقدر ما يحتاجون إلى الشعور بالتقدير والاهتمام والاحترام، معتبرة أن هذه المعاني تمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن الأسري.
وأكدت أن القيم لا تُغرس بالمحاضرات، وإنما بالقدوة، مستشهدة بأب أخبرها بأنه لم يكن كثير الحديث مع أبنائه، لكنه كان حريصاً على الالتزام بالسلوك الحسن أمامهم، فوجدهم مع مرور الوقت يقلدونه تلقائياً، ليصبحوا نموذجاً يعكس ما تربوا عليه داخل المنزل.
وقالت إن خلافات عدة باتت تنشأ بسبب سوء التواصل وسرعة الانفعال، أكثر من ارتباطها بأسباب حقيقية تستدعي الوصول إلى طريق مسدود، لافتة إلى أن بعض الأزواج أو الزوجات يبنون أحكاماً كاملة على موقف عابر أو تصرف يحتمل أكثر من تفسير.
وسردت مثالاً لزوجة تعطلت سيارتها بسبب خلل في أحد الإطارات، فاتصلت بزوجها طالبة مساعدته، إلا أنه اعتذر لانشغاله باجتماع وظروف عمل لا يستطيع مغادرتها.
وقال إن الزوجة لم تمنحه فرصة لشرح موقفه، واعتبرت اعتذاره دليلاً على عدم اهتمامه بها، لترد بعصبية وتبلغه بأنه لا يستحق أن تكون زوجة له، قبل أن تغلق الهاتف وتقرر عدم العودة إلى المنزل.
وأضافت أن المشكلة في هذه الحالة لم تكن تعطل السيارة، وإنما الطريقة التي فُسر بها الموقف، وردة الفعل التي تبعته، مؤكدة أن كثيراً من الأزمات الأسرية يبدأ من سوء تقدير المواقف، ثم تتفاقم بسبب الغضب وغياب الحوار الهادئ.
طلب المشورة
وأوضحت أن الاستشارة الاجتماعية كثيراً ما تكشف للطرفين جوانب لم يكونا منتبهين إليها، وتساعدهما على رؤية الموقف بصورة أكثر توازناً، وهو ما يسهم في احتواء عدد كبير من الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات يصعب إصلاحها.
وأكدت أن طلب المشورة ليس دليلاً على ضعف الشخصية، وإنما يعكس قدراً من الوعي والشجاعة، لأن جميع الأسر تمر بخلافات بدرجات متفاوتة، ولا بيت يخلو من المشكلات.
وأضافت أن دور المختص الاجتماعي يتمثل في مساعدة أطراف النزاع على اكتشاف الأسباب الحقيقية للخلاف، التي قد تكون أحياناً صفات إيجابية تحولت بسبب المبالغة فيها إلى مصدر للمشكلة، مثل الطيبة الزائدة، أو الحرص المفرط، أو سرعة التأثر، موضحة أن لكل مشكلة طرفين، وإن اختلفت نسبة مسؤولية كل منهما.
وحذرت من التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في العلاقات الأسرية، مشيرة إلى أن كثيراً من الأزواج والزوجات أصبحوا يقارنون حياتهم اليومية بما يشاهدونه عبر المنصات الرقمية، فينشأ شعور دائم بعدم الرضا.
وقالت إن بعض الأزواج يشاهدون مقاطع فيديو تظهر منازل مثالية أو موائد طعام فاخرة أو أساليب حياة مترفة، ثم يقارنون زوجاتهم بما يشاهدونه، متناسين أنهم شركاء في بناء تلك الحياة، وأن ما يعرض عبر وسائل التواصل لا يعكس بالضرورة الحقيقة الكاملة.
وأضافت أن الأمر لا يقتصر على الأزواج، بل يمتد إلى الزوجات والأبناء أيضاً، ما يخلق توقعات غير واقعية داخل الأسرة، ويؤدي إلى نشوء خلافات لم تكن موجودة في الأصل، مؤكدة أن الإنسان يجب أن يسعى إلى تطوير نفسه باستمرار، لكن من دون أن يقارن حياته بما يراه على الشاشات، لأن كثيراً مما ينشر يقدم صورة مثالية لا تعكس الواقع.
وأكدت أن الطلاق قد يكون في بعض الحالات حلاً مشروعاً عندما تستحيل الحياة بين الزوجين، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أول خيار أو أسرع رد فعل على خلاف عابر، مشددة على أن كثيراً من الأزواج الذين تمكنوا من تجاوز لحظات الغضب اكتشفوا لاحقاً أنهم كانوا على وشك خسارة أسرهم بسبب مواقف كان يمكن احتواؤها بالحوار والتفاهم.
• الحياة الزوجية تحتاج إلى سعة صدر، وقدرة على التكيف مع الطباع المختلفة.
• تحقيق الأمن الأسري يبدأ قبل الزواج، من خلال حسن اختيار شريك الحياة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : محمد فودة – دبي
معرف النشر: AE-030926-505

