حين نسمع كلمة “الفرعون”، تتوارد إلى الذهن صورة واحدة تجمع كل ملوك مصر القديمة في زمن واحد، لكن الحقيقة أكثر إثارة، فالفجوة الزمنية بين بناء الأهرامات وعصر كليوباترا تفوق الفجوة الزمنية بين كليوباترا وأيامنا هذه.
فقد امتد تاريخ مصر القديمة على أكثر من 3 آلاف عام، وتوزعت خلاله ثلاث “ممالك” كبرى شهدت مركزية قوية للحكم: الدولة القديمة (نحو 2686–2181 ق.م)، والدولة الوسطى (نحو 2055–1650 ق.م)، والدولة الحديثة (نحو 1550–1070 ق.م)، وتتخللها فترات انتقالية اتسمت بالفوضى وتفكك السلطة.
وقد برز عدد قليل من الحكام الذين تجاوزت فترات حكمهم بكثير متوسط عمر الإنسان في تلك الحقبة، إذ لم يكن الفرعون مجرد ملك، بل كان القائد الأعلى للجيش، والمرجعية الدينية العليا، وحامي “الماعت” – مبدأ العدالة والنظام الكوني – وهي مكانة شبه إلهية جعلت استمراره في الحكم لعقود طويلة حدثًا استثنائيًا يعيد تشكيل ملامح الدولة بأكملها، وفق موقع “ورلد أطلس” (WorldAtlas) العلمي المتخصص في الجغرافيا والتاريخ.
بيبي الثاني
وتنسب المصادر القديمة إلى بيبي الثاني، أحد ملوك الأسرة السادسة في الدولة القديمة، فترة حكم استثنائية بلغت 94 عامًا، بعدما اعتلى العرش وهو طفل صغير نحو عام 2278 ق.م. ويثير هذا الرقم شكوك كثير من الباحثين المعاصرين، إذ لم يكن متوسط العمر المتوقع للمصري القديم يتجاوز 19 إلى 30 عامًا في المتوسط العام، وإن كان من ينجو من مخاطر الطفولة المرتفعة غالبًا ما يعيش حتى الأربعينيات أو الخمسينيات. والأرجح أن طول حكمه أسهم في تعقيد مسألة توريث العرش، بعدما عاش أطول من عدد من أبنائه المرشحين لخلافته، غير أن معظم المؤرخين لا يحمّلونه مسؤولية انهيار الدولة القديمة الذي وقع بعده بقليل، ويعزونه غالبًا إلى تراجع فيضانات النيل وصعود نفوذ حكام الأقاليم الذين توارثوا السلطة المحلية.
رمسيس الثاني: القائد الأسطورة
هذا ويمثل رمسيس الثاني، الملقب بـ”رمسيس العظيم”، أحد أبرز نماذج الحكم الطويل في الدولة الحديثة، إذ استمر على العرش 66 عامًا خلال الأسرة الـ19. قضى بداية حكمه في تثبيت النفوذ المصري بسوريا وبلاد الشام، وبنى سمعته العسكرية على معركة قادش الشهيرة ضد الحيثيين، التي أعقبتها واحدة من أقدم معاهدات السلام المعروفة في التاريخ، عززها بزواجه من أميرات حثيات.
ولم يكن رمسيس محاربًا فحسب، بل كان بانيًا عظيمًا أيضًا؛ فقد شيّد معبد الرامسيوم، والمعابد الصخرية المهيبة في أبو سمبل، وأسس عاصمة جديدة حملت اسمه “بي-رعمسيس”. وامتد حضوره على الآثار من لبنان شمالاً حتى السودان جنوبًا، وكان حكمه طويلاً لدرجة أن خليفته مرنبتاح تولى العرش وهو رجل عجوز بالفعل.
تحتمس الثالث: الظل القائد
فيما اعتلى تحتمس الثالث العرش طفلاً عام 1479 ق.م تقريبًا، لكن عمته وزوجة أبيه حتشبسوت تولت الوصاية عليه ثم أعلنت نفسها فرعونًا شريكًا لمدة 20 عامًا. وبعد وفاتها، حكم تحتمس الثالث منفردًا 33 عامًا أخرى، رسّخ خلالها اسمه كأحد أعظم القادة العسكريين بفضل انتصاره في معركة مجدو وحملاته المتكررة في سوريا وفلسطين والنوبة، إلى جانب مشروعاته المعمارية الضخمة في معبد الكرنك.
بسماتيك الأول
وبعد نهاية الدولة الحديثة، دخلت مصر ما يُعرف بالعصر المتأخر، وفي عام 664 ق.م تولى بسماتيك الأول الحكم في ظروف بالغة الاضطراب، عقب سنوات من سيطرة الأسرة الكوشية ثم الغزو الآشوري. استعان بمزيج من المرتزقة اليونانيين والكاريين والفينيقيين لإعادة توحيد البلاد، ولم يكتمل له ذلك إلا نحو عام 656 ق.م. ولم يكتفِ باستعادة السيادة المصرية، بل فتح موانئ الدلتا أمام التجار اليونانيين، في خطوة أرست تبادلاً ثقافيًا وتجاريًا واسعًا بين الحضارتين.
أمنحتب الثالث الدبلوماسي
فيما مثّل أمنحتب الثالث نموذجًا مغايرًا لأسلافه من ملوك الدولة الحديثة، إذ اعتمد على الدبلوماسية أكثر من الحرب لإدارة إمبراطورية موروثة تمتد من سوريا إلى النوبة. شهد عصره ازدهارًا اقتصاديًا وفنيًا ومعماريًا لافتًا، عبر تبادل الهدايا والمصاهرات الملكية مع بابل ومملكة ميتاني والحيثيين. من إنجازاته معبد الأقصر، ومعبده الجنائزي الضخم في طيبة، وتمثالا ممنون الشهيرين. وكان والدًا لأخناتون، وربما جدًا لتوت عنخ آمون، الذي عاد بعد ذلك ليلغي إصلاحات أخناتون الدينية الجذرية ويهجر عاصمته الجديدة.
سنوسرت الأول: عمود الدولة
بينما حكم سنوسرت الأول بين نحو 1961 و1917 ق.م، وواصل مسيرة والده أمنمحات الأول، مؤسس الأسرة الـ12، في إعادة بناء سلطة مركزية قوية بعد فوضى الفترة الانتقالية الأولى. دعم بناء المعابد والمراكز الدينية في أنحاء المملكة، وشن حملات عسكرية في النوبة لتأمين الذهب وطرق التجارة، وشيّد مجمعه الهرمي قرب مجمع والده.
أمنمحات الثالث
وحكم أمنمحات الثالث بين نحو 1859 و1813 ق.م، في ذروة قوة الأسرة الـ12، وترك بصمة اقتصادية عميقة عبر مشروعات ري ضخمة في منطقة الفيوم، وأعمال تعدين واسعة في سيناء والصحراء الشرقية. وشيّد هرمين بدلاً من واحد أحدهما في دهشور، والآخر في الهوارة الذي أصبح مكان دفنه الفعلي، وكان معقدًا لدرجة أن الكتّاب اليونانيين لاحقًا أطلقوا عليه اسم “المتاهة”.
هذا ويكشف تتبع سير هؤلاء الفراعنة السبعة أن طول الحكم في مصر القديمة لم يكن مجرد رقم في سجل تاريخي، بل كان غالبًا انعكاسًا لظروف الدولة نفسها. استقرار يُبنى بصبر على مدى عقود، أو أزمة خلافة، أو إمبراطورية تُدار بالسيف تارة وبالدبلوماسية تارة أخرى. وتبقى هذه العقود الطويلة من الحكم شاهدًا على قدرة الحضارة المصرية القديمة على الاستمرار والتجدد عبر آلاف السنين.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : الرياض – العربية.نت ![]()
معرف النشر: MISC-120926-286

