امتدت موجة صعود السلع إلى أسبوع آخر، لكن وراء القوة التي تعكسها العناوين الرئيسية، بدأت تتبلور صورة أكثر تبايناً. ويتجه مؤشر بلومبرغ للعائد الإجمالي للسلع إلى تحقيق مكاسب أسبوعية للمرة الخامسة على التوالي وتسجيل مستوى قياسي جديد، بعدما ارتفع بنحو 2%، لترتفع مكاسبه منذ بداية العام إلى أكثر من 36%. لكن من دون قطاع الطاقة، لم يكن مؤشر بلومبرغ للسلع ليحقق سوى نحو 13.5% منذ بداية العام، مع مساهمة الحبوب والمعادن الصناعية بالنصيب الأكبر من هذه المكاسب.
وكما حدث مجدداً، كانت الطاقة المحرك الرئيسي، إذ ارتفعت بنحو 8% رغم ضعف الغاز الطبيعي الأميركي. وصعد النفط الخام بنحو 8%، فيما قفز الديزل بنحو 11% مع تعرض أسواق المنتجات المكررة، التي تعاني أصلاً ضيقاً في الإمدادات، لمزيد من التدهور في توقعات الإمدادات من الشرق الأوسط. وكان الغاز الطبيعي الأوروبي أكبر الرابحين خلال الأسبوع، إذ ارتفع 13% إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، وسط توقعات بشح الإمدادات قبيل فترة ذروة الطلب الشتوي المقبلة.
أما في بقية الأسواق، فتبدو الصورة مختلفة تماماً. وتتجه المعادن الثمينة إلى تسجيل تراجع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي بنحو 2%، فيما ضعفت المعادن الصناعية أيضاً، متراجعة نحو 1.5%، بينما لم يطرأ تغير يذكر على الزراعة رغم الاندفاع الاستثنائي الأخير لصناديق التحوط نحو الحبوب والسلع الزراعية اللينة.
ويبرز هذا التباين تحولاً مهماً في الرواية السائدة حالياً حول السلع. فلم تعد صدمة الطاقة تقتصر على رفع أسعار السلع، بل بات تأثيرها عبر النمو العالمي وتوقعات التضخم والسياسة النقدية وعوائد السندات يفرض رياحاً معاكسة بصورة متزايدة على بقية القطاعات.
تفاقم صدمة الطاقة
قفز خام برنت بأكثر من 6% يوم الخميس مع تصاعد التوترات في أنحاء الشرق الأوسط، فيما أضافت المخاوف بشأن الإمدادات السعودية طبقة أخرى من المخاطر إلى سوق تعاني أصلاً اضطرابات حادة. وأجبرت هجمات الحوثيين على منشآت الطاقة السعودية بعض العمليات على التوقف، بينما أشارت تقارير إلى تعرض خط أنابيب الشرق والغرب الاستراتيجي، الممتد إلى ينبع، لأضرار. وتبلغ قدرة خط الأنابيب نحو 5 ملايين برميل يومياً للتصدير، وقد ازدادت أهميته بصورة خاصة في ظل تعطل حركة الشحن المعتادة عبر مضيق هرمز، إذ يتيح وصول النفط الخام السعودي إلى محطات التصدير على البحر الأحمر من دون المرور عبر المضيق الضيق.
ومع إضافة ذلك إلى الزخم الصعودي، أبلغت السعودية أوبك بأن إنتاجها من النفط الخام هبط إلى 6.23 مليون برميل يومياً في أغسطس، وهو أدنى مستوى منذ عام 1990. وبالتزامن مع هجمات متبادلة عدة على السفن في محيط مضيق هرمز، أدى هذا التراجع إلى زيادة ضيق السوق الفعلية التي تعاني أصلاً ضغوطاً شديدة.
لكن، كما أشرنا في مناسبات عدة، فإن التركيز الحصري على خام برنت قد يقلل من تقدير حجم أزمة الطاقة. فالمنتجات المكررة تتعرض لضغوط أكبر حتى الآن، إذ تفوق الديزل مجدداً على الخام هذا الأسبوع، متداولاً عند أكثر بكثير من 200 دولار للبرميل. وتحتل المقطرات الوسطى صميم الاقتصاد العالمي من خلال النقل بالشاحنات والشحن والطيران والزراعة والبناء والنشاط الصناعي، ما يعني أن استمرار ارتفاع أسعارها يمكن أن ينتقل سريعاً إلى التضخم على نطاق أوسع.
ويساعد ذلك في تفسير سبب تحول الارتفاع الأخير في أسعار النفط بصورة متزايدة إلى قصة تتعلق بالاقتصاد الكلي، وليس مجرد قصة تخص سوق السلع.
النفط والتضخم يدفعان عوائد السندات إلى الارتفاع الحاد
تعرضت أسواق السندات العالمية لموجة بيع حادة أخرى يوم الخميس، مع تزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع إشارات متشددة من البنك المركزي الأوروبي، ما أعاد إحياء المخاوف من بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.
ورفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم الأساسي للعامين المقبلين، كما حسّن توقعاته للنمو في العام المقبل، ما أدى إلى موجة بيع حادة في السندات الألمانية. وفي الوقت نفسه، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بقوة عبر منحنى العائد. وقفز عائد السندات لأجل عامين بأكثر من 15 نقطة أساس ليتجاوز 4.58%، مسجلاً أعلى مستوى في الدورة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات فوق 4.96%، ما أعاد عتبة 5% ذات الأهمية النفسية إلى دائرة التركيز.
وتنطوي صدمة الطاقة الممتدة على خطر إبقاء التضخم مرتفعاً، حتى في الوقت الذي بدأت فيه تكاليف الاقتراض الأعلى تضغط بصورة متزايدة على النشاط الاقتصادي. ولذلك تختبر الأسواق قدرة صانعي السياسات على احتواء تجدد الضغوط التضخمية من دون التسبب في ضغوط مالية أوسع نطاقاً.
الذهب عالق بين المخاطر الجيوسياسية وارتفاع العوائد
ظهر أثر هذا التحول بصورة واضحة بصفة خاصة في المعادن الثمينة، إذ دفعت القفزة الأخيرة في أسعار الخام وعوائد السندات الذهب نحو مستوى الدعم عند نحو 4,300 دولار، من دون كسره، ليصبح في طريقه إلى تسجيل تراجع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي. وقد يبدو ضعف الذهب، للوهلة الأولى، غير متوقع في ظل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. إلا أن آلية انتقال الأثر من الجغرافيا السياسية عبر أسعار الطاقة إلى أسواق السندات توفر حالياً عاملاً قوياً يوازن الطلب التقليدي على الملاذات الآمنة.
وترفع أسعار الخام والوقود توقعات التضخم، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتوقعات مزيد من التشديد النقدي. ومع ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، واجه الدعم الناجم عن المخاطر الجيوسياسية صعوبة في موازنة الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد.
ومن المنظور الفني، عاد الذهب إلى الطرف الأدنى من النطاق الذي تشكل عقب ارتداده في أغسطس. وقد حال مستوى الدعم عند نحو 4,300 دولار حتى الآن دون هبوط أعمق نحو القاع المستقر بالقرب من 4,000 دولار.

