الإمارات

مريم الجسمي.. «جراحة الفم» قادتها إلى إتقان اللغة الألمانية

Ad9064f0 1487 406b 8685 3fb29e444944 file.jpg

مريم الجسمي.. «جراحة الفم» قادتها إلى إتقان اللغة الألمانية
لم تكن اللغة الألمانية التحدي الوحيد الذي واجه الدكتورة مريم الجسمي عندما وصلت إلى ألمانيا لاستكمال تخصصها في جراحة الفم، إذ وجدت نفسها في مجتمع مختلف، في وقت لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد فتحت للطلبة المبتعثين النوافذ التي تتيحها اليوم، لكنها مضت في تجربتها معتمدة على نفسها، حتى انتقلت من مقاعد دراسة اللغة إلى العمل والتدريب في الجامعة، ثم المشاركة في التدريب العملي للطلبة الألمان.

وتخرجت الجسمي في ألمانيا عام 2011، في تخصص جراحة الفم، لتكون، وفق قولها، من بين العدد القليل من أبناء الإمارات الذين اتجهوا في تلك الفترة إلى دراسة هذا التخصص في ألمانيا.

وبدأت الرحلة بتعلم لغة جديدة، ومرت بالحصول على ترخيص للعمل والتدريب، ومن ثم الحصول على «البورد الألماني» في تخصص جراحة الفم، وانتهت بعلاقة مستمرة مع ألمانيا حتى اليوم، إذ لاتزال تعود إليها لحضور الدورات والبرامج العلمية.

وقالت الجسمي لـ«الإمارات اليوم» إن رحلتها الدراسية بدأت بعد حصولها على درجة البكالوريوس في مصر وعودتها إلى الإمارات، قبل أن تتجه لاحقاً إلى ألمانيا، بدعم وتشجيع من والدها، رحمه الله، الذي قالت إنه كان أكبر الداعمين لها في اتخاذ هذه الخطوة.

وأضافت: «كان والدي رحمه الله يشجعني، ولم يكن لديّ أحد هناك، لذلك كان قوام التجربة الاعتماد على نفسي».

بدأت عامها الأول في برلين، حيث التحقت بمعهد خاص لدراسة اللغة الألمانية ضمن بعثتها، واستغرقت دراسة اللغة نحو عام، وكان عدد الطلبة في ذلك الوقت قليلاً، ومعظم الطلبة كانوا موجودين في غرب ألمانيا.

وذكرت أن وجود سفارة الدولة في برلين كان مهماً بالنسبة إليها، وكانت تزورها خلال تلك الفترة، إلا أن الحياة اليومية خارج هذا المحيط فرضت عليها التعامل المباشر مع مجتمع جديد ولغة لم تكن تعرفها.

وقالت إن المرحلة الأولى لم تكن سهلة، خصوصاً أن المنطقة لم تكن على معرفة دقيقة بالعرب، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن منتشرة بالصورة التي نعرفها اليوم، ما جعل الاعتماد على النفس جزءاً أساسياً من تجربة الطالب المبتعث.

وبعد مرحلة برلين، انتقلت الجسمي إلى جامعة ماينز القريبة من فرانكفورت، حيث وجدت مجتمعاً أكثر تنوعاً وانفتاحاً، مع وجود أعداد أكبر من العرب من جنسيات مختلفة، الأمر الذي جعل الحياة والتعامل اليومي أكثر سهولة.

وتحتفظ الجسمي بمواقف إنسانية من سنوات الدراسة والتدريب، من بينها مساعدة زملائها الألمان لها في ممارسة شعائرها الدينية، مشيرة إلى أن العثور على مكان للصلاة لم يكن سهلاً دائماً.

وذكرت أن أحد زملائها الألمان كان يبحث لها عن غرفة فارغة حتى تتمكن من الصلاة، مضيفة أنها وجدت لدى كثير من زملائها اهتماماً بالتعرف إلى الإسلام وسلوكيات المسلمين، وكانوا يقدرون السلوكيات التي تعكس حسن الأخلاق.

ومع مرور الوقت، لم تعد الجسمي مجرد طالبة تحاول تجاوز حاجز اللغة، إذ بدأت العمل في الجامعة والتدريب ضمن برنامج «البورد الألماني» في تخصص جراحة الفم، وهو برنامج تدريبي وتعليمي يمتد بين ثلاث وخمس سنوات، بعد استكمال الإجراءات اللازمة والحصول على التصاريح المطلوبة للعمل والتدريب.

وأوضحت أن الحصول على الترخيص تطلب استيفاء الإجراءات لدى الجهات الطبية الألمانية، قبل أن تبدأ العمل والتدريب في الجامعة، لافتة إلى أن اللغة ظلت في البداية أحد أصعب التحديات، لكنها تحولت مع الممارسة اليومية إلى أداة للدراسة والعمل والتواصل.

ولفتت الجسمي الأنظار داخل الكلية باعتبارها المرأة العربية المحجبة الوحيدة في محيطها الدراسي، وقالت إن الطلبة كانوا يسألونها باستمرار «من أين أنت؟ هل أنت عربية؟»، بينما تحولت تلك الأسئلة إلى مدخل لحوارات يومية عن الإمارات والثقافة العربية والإسلام.

وبينما كانت تواصل دراستها وتدريبها، شاركت أيضاً في التدريب العملي للطلبة الألمان في الكلية، وهي تجربة جعلتها تنتقل من محاولة فهم لغة المحاضرات والعمل إلى استخدامها في شرح التدريب لطلبة ألمان.

وتزامنت إحدى سنوات وجودها في ألمانيا مع افتتاح برج خليفة، الأمر الذي جعل دبي والإمارات حاضرتين في أحاديث زملائها معها، إذ كانوا يتحدثون إليها عن دبي ويسألونها عن الإمارات، كما كانوا يطرحون عليها أسئلة عن الصيام، عندما يعلمون أنها صائمة.

وقالت إن هذه التفاصيل صنعت نوعاً من التبادل الثقافي بينها وبين المحيطين بها، إذ كانت تتعرف إلى المجتمع الألماني، في حين كانوا هم يتعرفون من خلالها إلى جوانب من حياة الإماراتيين والمسلمين.

ومن المواقف التي لاتزال تتذكرها الجسمي، مناوبتها ذات مرة في قسم الطوارئ في أحد المستشفيات الجامعية في ألمانيا، عندما حضرت مريضة عربية كان التواصل معها صعباً بسبب اللغة. وكانت الجسمي الطبيبة الوحيدة المناوبة التي تستطيع التحدث معها بالعربية، لتكتشف لاحقاً أن المريضة قادمة من الكويت، ونشأت بينهما معرفة وتواصل بعد ذلك الموقف.

وأشارت إلى أن وجود بعض الطلبة العرب أسهم في مساعدتها خلال مراحل تعلم اللغة والتأقلم، إلا أن التجربة في مجملها ظلت قائمة على الاعتماد على النفس وتجاوز الصعوبات والعقبات اليومية حتى التخرج.

وقالت إنها تشعر بالفخر عندما تستعيد تلك السنوات، خصوصاً أنها كانت من العدد القليل الذين اتجهوا إلى هذا التخصص بألمانيا في ذلك الوقت.

ولم تنتهِ علاقة الجسمي بألمانيا بانتهاء الدراسة والتخرج، إذ لاتزال اللغة ترافقها في مواقف مختلفة بعضها بعيد تماماً عن المجال الطبي. وتروي أنها كانت على متن طائرة عندما تحدثت إليها امرأة ألمانية، فردت عليها بلغتها لتفاجأ المرأة بإجادتها الألمانية.

ويتكرر الموقف نفسه في المؤتمرات العلمية التي تحضرها، إذ تقول إنها عندما ترى اسم أستاذ ألماني تتجه إليه وتتحدث معه بالألمانية، وغالباً ما يثير ذلك استغرابه، لاسيما أن اللغة الألمانية تعد من اللغات التي تحتاج إلى وقت وجهد لإتقانها.

وتكرر الأمر عندما التحقت ببرنامج دبلوم في جراحة وزراعة الأسنان، تقدمت إليه عن طريق جمعية ألمانية، وانتقلت بسببه إلى مدينة كيل شمال ألمانيا، موضحة أن البرنامج كان دولياً ويقدم باللغة الإنجليزية، لكنها كانت تتحدث بالألمانية مع الموجودين هناك، ما كان يثير استغرابهم كلما اكتشفوا أنها تجيد اللغة.

وبعد سنوات من التجربة الأولى، بقيت ألمانيا بالنسبة إلى الجسمي مرتبطة بمرحلة مهمة من حياتها العلمية والمهنية، إذ تحرص على زيارتها، خصوصاً عند وجود دورات وبرامج علمية ترغب في حضورها.

وترى أن الصعوبات التي واجهتها من تعلم لغة جديدة، والعيش بعيداً عن الأسرة، إلى الاندماج في مجتمع مختلف، والدخول في برنامج تدريبي تخصصي، كانت جزءاً من تجربة صنعت لديها قدراً أكبر من الاعتماد على النفس.

زيارة رئيس الدولة
قالت الدكتورة مريم الجسمي إن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا، أخيراً، حملت بالنسبة إليها بُعداً خاصاً، بحكم تجربتها الدراسية والمهنية هناك، وما لمسته خلال سنوات إقامتها من تقدير للإمارات وشعبها، وأضافت أن العلاقات بين الإمارات وألمانيا لا تقتصر على الجوانب الرسمية والاقتصادية، بل تمتد إلى مجالات التعليم والتدريب وتبادل الخبرات، وهي جوانب عاشتها شخصياً خلال دراستها وتخصصها في الجامعات والمستشفيات الألمانية.

وشددت على أن زيارة سموه ستعزز جسور التعاون بين البلدين، وتفتح آفاقاً أوسع أمام الأجيال الجديدة للاستفادة من التجارب العلمية والأكاديمية والطبية، مشيرة إلى أن تجربتها في ألمانيا أسهمت في بناء مسيرتها المهنية، ولاتزال مرتبطة بها علمياً من خلال حضور الدورات والبرامج التخصصية.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : سمية الحمادي – الشارقة
معرف النشر: AE-140926-764

تم نسخ الرابط!
5 دقيقة و 17 ثانية قراءة