اختتم أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027 دورته وسط مشهد لا يبدو مهتماً بإنتاج “ترند” واحد يمكن اختزاله في صورة أو لون. على العكس، جاءت العروض لتؤكد أن قوة الموضة البريطانية تكمن تحديداً في قدرتها على جمع ما يبدو متناقضاً: التراث والتمرد، الخياطة الدقيقة والفوضى الإبداعية، الرومانسية والمبالغة، والملابس العملية إلى جانب أزياء السهرة الأكثر استعراضية.
التراث يتحرر من أرشيفه
ربما لا يوجد رمز يختصر هذا الاتجاه أكثر من عرض دار Burberry التي احتفلت هذا العام بمرور 170 عاماً على تأسيسها، بالتزامن مع معرض “The Burberry Trench: Crafting an Icon” في متحف “فيكتوريا أند ألبرت”، في استعادة لمسار معطف “الترنش” الذي انتقل من زي عملي ذي جذور عسكرية إلى أحد أكثر الرموز ثباتاً في تاريخ الموضة.
لكن أهمية هذا التصميم في موسم ربيع وصيف 2027 لا تكمن في ظهوره بوصفه قطعة أرشيفية، بل في استمرار قدرته على التكيّف. وهذا ما يجعله جزءاً من اتجاه أوسع: الاستثمار في القطع ذات الهوية بدلاً من مطاردة اتجاهات عابرة. فالتراث البريطاني الذي ظهر في لندن هذا الموسم لم يكن نسخة عن الماضي. معطف “الترنش”، والخياطة، والجلد، وطبعة المربعات، كلها عادت إلى المشهد بعد أن خضعت لإعادة تفسير تجعلها أقرب إلى خزانة اليوم.
الخياطة تلتقي بالتمرد
في المقابل، قدّمت دار McQueen إحدى أكثر الترجمات وضوحاً لهذا التناقض. عودة الدار إلى لندن بعد سنوات من عرض مجموعاتها في باريس لم تكن مجرد حدث على روزنامة الموضة؛ فقد اختار مديرها الإبداعي سين ماكغير أن يربط المجموعة بثقافة “الراف” في لندن، وبمرجعيات فنية وتاريخية متنوعة.
ظهرت البدلات إلى جانب الكورسيهات والجلد والأحزمة المعدنية والفساتين المسائية المزودة بتفاصيل مستوحاة من عالم McQueen المظلم. هكذا أصبحت الخياطة البريطانية الصارمة خلفية لملابس أكثر تمرداً، في معادلة تختصر الكثير من شخصية لندن. واللافت هنا أن البدلة لم تعد بوصفها رمزاً للسلطة أو الرسمية، وإنما كهيكل يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه وفق لغة الشارع والموسيقى والثقافة الشبابية.
الرومانسية تأخذ منحى درامياً
استعادت الرومانسية حضورها، ولكن ليس بصورتها الحالمة البسيطة. لدى دار Simone Rocha، تحولت طبقات التول الشفافة والتفاصيل المزخرفة إلى لغة مسرحية تحمل مرجعيات فنية وتاريخية، فيما حافظت دار Erdem على علاقتها الخاصة بالأنوثة التاريخية والحرفية.
هذه الرومانسية الجديدة لا تبحث عن النعومة وحدها؛ بل تحتاج إلى بعض التمرد. لذلك ظهرت إلى جانب الخياطة، والجلد، والأحجام الكبيرة أو التفاصيل الأكثر صرامة. وهنا يمكن قراءة أحد أهم اتجاهات الموسم: الأنوثة لا تتراجع، لكنها لم تعد تعني الرقة وحدها.
الابتعاد عن التقشف
إذا كانت بعض العروض تحاول تحقيق توازن بين الرومانسية والعملية، فإن دارRichard Quinn ذهبت في الاتجاه المعاكس تماماً. فمجموعتها لربيع وصيف 2027 كانت دفاعاً صريحاً عن الأزياء الاحتفالية وعن فكرة أن ارتداء الملابس يمكن أن يكون عرضاً بحد ذاته.
استعادت تصاميم المجموعة بريق الثمانينيات عبر الخصور المحددة، والتنانير الواسعة، والتطريزات الكثيفة، والأزياء المسائية فائقة الزخرفة. وجاءت أجواء العرض، التي جمعت المرايا والثريات، لتعزز فكرة الانتقال من خصوصية غرفة ارتداء الملابس إلى دراما قاعة الاحتفالات.
وهنا تكمن أهمية تجربة Quinn في وقت تميل فيه الموضة إلى الراحة والبساطة وقابلية الارتداء اليومي، يصرّ المصمم على أن المبالغة ليست خطأ في التصميم، بل موقف جمالي.
الجلد يصبح أكثر خفة
الجلد بدوره خرج من ارتباطه التقليدي بموسم الخريف والشتاء. ظهرت الخامة ضمن صياغات أكثر مرونة، فيما تحولت الإكسسوارات الجلدية إلى وسيلة لاستعادة الطابع البريطاني من دون الوقوع في الكلاسيكية.
وفي هذا السياق، اكتسبت عودة Mulberry أهمية خاصة مع تولي كريستوفر كاين الإدارة الإبداعية للملابس الجاهزة. فالدار تمثل واحداً من أكثر الأسماء ارتباطاً بالحرفية الجلدية البريطانية، بينما يعرف كاين بإعادة تفسير الرموز التقليدية بطريقة غير متوقعة.
الزهور أكثر تعقيداً
حتى الزهور، ذلك العنصر الملازم لمواسم الربيع، لم تظهر بصورة مألوفة تماماً. فقد انتقلت من مجرد طبعات رومانسية إلى عناصر ثلاثية الأبعاد، وتطريزات، وأحجام مبالغ فيها، ومواد تدخل في بناء القطعة نفسها.
وهذا واضح خصوصاً في لندن، حيث تتقاطع الحرفية مع التجريب. الزهرة هنا ليست مجرد زخرفة؛ إنها طريقة لإضافة ملمس وحجم ودراما إلى التصميم، كما أنها تواصل الحوار بين الطبيعة والملابس الذي برز لدى أكثر من مصمم.
التناقض هو الاتجاه الحقيقي
ربما يكون من الأدق ألا نبحث عن “اتجاه واحد” لموسم لندن المقبل. فالاتجاه الأكثر وضوحاً هو الرغبة في التناقض. ولكنه يتقاطع مع تناول التراث بمفهوم جديد في عرض Burberry، مع عودة الاعتبار إلى البذخ في مجموعة Richard Quinn، فيما تكتسب الرومانسية بعداً أكثر تعقيداً في مجموعات Erdem وSimone Rocha. وبين هذه الاتجاهات، يستمر الجلد والمربعات والزهور والخياطة في العمل كخيوط مشتركة تربط الماضي بالمستقبل. وهذه تحديداً هي قوة لندن: أن تجعل من الهوية البريطانية مادة قابلة لإعادة الاختراع، لا قالباً ثابتاً. ففي ربيع وصيف 2027، لا يبدو أن الأناقة البريطانية تريد أن تكون هادئة أو متجانسة؛ فهي أرادت أن تكون متعددة، متناقضة، وشخصية إلى أقصى حد
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : العربية نت : رانيا لوقا ![]()
معرف النشر: MISC-220926-789

