نظّم مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري، مساء الاثنين 28 سبتمبر 2026، لقاءً حواريًا بعنوان «الترجمة والمثاقفة في عالم متنوع .. رؤى وأخلاقيات»، ضمن برنامج «اثنينية التواصل الحضاري» الذي يرفع شعار «كل اثنين .. نجتمع».
شارك فيه الرئيس التنفيذي لجمعية الترجمة الأستاذ عبدالرحمن السيد، والمترجم المتخصص في التواصل الثقافي الأستاذ أسعد الأسعد، والكاتب والمترجم السعودي الأستاذ بندر الحربي، وأدارته الدكتورة نهى الوقداني، الكاتبة وعضو مجلس إدارة جمعية إعلاميون.
دور المترجم في توصيل المعني
افتتح “السيد” النقاش بأن وظيفة المترجم تتجاوز النقل إلى استيعاب النص وتحليله وإيصاله بما يناسب الثقافة المنقول إليها. فالنقل يُبقي الشيء كما هو، أما الترجمة فتغيير خلّاق يخدم المعنى ويراعي المتلقي. ورأى أن التدخل لا يكون ارتجاليًا، بل يحكمه النص والغرض ومقصد صاحبه وطريقة التلقي. وأكد أن الترجمة علم تُكتسب خبرته بالممارسة. وفي ثنائية الأمانة والخيانة قال إن الخيانة لا تقع إلا بالخروج عن إطار النص، وإن «أعظم وفاء لأي نص أن يُصنع له جمهور في لغة أخرى».
ودعا إلى تدريب المترجم على اختيار البديل الأنسب وتبريره، وقدّم النزاهة على الحياد: «أنت مؤتمن على وجهة نظر صاحب الفكرة، فلا تضع وجهة نظرك مكانها». وتناول أخلاقيات المهنة واختبار كفايات الترجمة، وحساسية الترجمة القضائية، متمنيًا امتداد الترخيص إلى مجالات حساسة أخرى.
وعن الذكاء الاصطناعي قال إن الآلة حلّت محل المترجم التقليدي في السياقات العامة، لكن المساءلة تبقى على الإنسان. وأشار إلى سوق تجاوز سبعين مليار دولار، وإلى مؤتمر الجمعية مع جامعة الملك سعود بعنوان «الترجمة في عالم يتحول»، وإلى مبادرة أسهمت في أكثر من 2500 إصدار من العربية وإليها بأكثر من 22 لغة.
نقل وتقارب الثقافات
وتوقف الأستاذ أسعد الأسعد عند مفهوم المثاقفة، فعرّفها بأنها تفاعل تتقارب فيه الثقافات من غير أن يلغي طرفٌ طرفًا أو يذوب فيه. وقال إن النصوص الأدبية والفكرية والإعلامية والبيانات السياسية تحتاج فهمًا عميقًا للثقافتين، وإن «الثقافة تبدأ حين ينتهي القاموس».
وأكد أن الشرح ضروري في الترجمة، خاصة في ترجمة الشعر والأدب، لأن المترجم قد لا يستطيع إيصال الفكرة من دونه. وضرب مثلًا بكلمة «المجلس»، فمقابلها الإنجليزي يحيل إلى مجلس الوزراء أو مجلس الأعيان أو مجلس الإدارة، بينما تحمل في الثقافة السعودية معنى خاصًا يتصل بالضيافة وإدارة الحديث وآداب الجلوس.
وأوضح أن المترجم لا يستطيع أحيانًا أن ينقل كل ما تحمله الكلمة من ثقل ثقافي بمقابل لفظي واحد، ولذلك تصبح الشروحات ضرورة لا غنى عنها.
توضيح المغالطات عن المملكة
وتحدث الحربي عن أربعة أساليب للتعامل مع السمات الثقافية: تجاهل ما لا يؤثر، أو تعريبها كما فعل البعلبكي مع ديكنز وهو أسلوب يُنتقد لتغييره روح النص، أو شرحها في الحواشي وقد أثبت نحو مئتي حاشية في ترجمته لرواية لجوليان بارنز، أو نقلها كما هي وهو الأشيع.
ورأى الشرح أنفع للقارئ العربي، لأن المشهد قد يضيع بلا ظله الثقافي. وسُئل إن بقيت الترجمة الأدبية أمينة إذا اختلفت ألفاظها عن الأصل، فقال نعم، لأن في الثقافة إحالات يعجز اللفظ وحده عنها، والشرح في الحاشية أسلم، و«الهدف ليس النقل اللغوي بل الأثر».
وفي المغالطات عن المملكة قال الحربي إنه واجهها في خمسة كتب، وإن المترجم ليس ممرًا للأخطاء عن وطنه. وقسّمها إلى ثلاثة أنواع: الوقائعية، كبيانات قديمة عن المملكة يُعقَّب عليها؛ والتأويلية، وهي في الغالب رأي المؤلف فيُبرَز إلى جانبها الرأي المخالف؛ والإطارية، حين يُصنَّف البلد بمنهج فكري وكأنه قانون كوني فيُردّ التصنيف إلى منطلقه. ومثل للأخيرة بخطأ في كثير من الكتب الغربية يستخدم مصطلح الوهابية لوصف دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وكيان الدولة، وهو استعمال نبّه إليه الأمير سلمان بن عبدالعزيز عام 2010 حين كان أميرًا للرياض، إذ عدّ التسمية فخًا شاع للإساءة لا اسم مذهب قائم بذاته.
ولخّصت الوقداني أن المترجم يتعامل مع أفكار وسياقات وذاكرة وهوية، ويوازن بين أمانة النص وحق القارئ ومسؤوليته في زمن التقنية. ثم قُدّمت دروع تذكارية للضيوف.
ويأتي تنظيم الاثنينية في إطار سعي المركز إلى تحويل قيم الحوار والتعايش إلى نقاش أسبوعي يثري المعرفة ويُكسب مهارات التعامل مع التنوع، ويرسّخ الصورة الحضارية للمملكة بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : اليوم – الدمام
معرف النشر: SA-300926-509

