الخزامى… لون يتجاوز الجمال ليصبح رمزًا للترحيب والهوية السعودية
هناك ألوان ترتبط بالمكان لأنها تملأ سماءه أو رماله أو مبانيه، وألوان أخرى تتحول مع الوقت إلى لغة كاملة للهوية. وفي السعودية، برز اللون الخزامي بوصفه واحدًا من أكثر هذه الألوان حضورًا؛ إذ خرج من مشهد طبيعي موسمي تكتسي به الصحارى والهضاب في الربيع، ثم انتقل إلى مراسم استقبال ضيوف الدولة، وظهر في الهوية البصرية لطيران الرياض، قبل أن يصل اليوم إلى ملاعب كأس آسيا 2027 عبر الكرة الرسمية التي تحمل اسم «خزامى».
القصة هنا لا تتعلق بلون جميل فحسب، بل بكيفية تحويل عنصر من الطبيعة المحلية إلى رمز بصري يعبّر عن الضيافة والكرم والانفتاح. ومع كل ظهور جديد له، تزداد الخزامى رسوخًا باعتبارها جزءًا من المشهد السعودي الحديث، من دون أن تفقد صلتها بالأرض التي جاءت منها.
في فصل الربيع، تتغير أجزاء من مشهد الطبيعة الخلابة في المملكة حين تظهر أزهار الخزامى ونباتات أخرى بدرجات بنفسجية تغطي مساحات من الصحارى والهضاب. هذا التحول الموسمي هو الذي منح اللون دلالته الأولى؛ فهو مرتبط بلحظة ازدهار الطبيعة وكرم الأرض بعد موسم المطر.
وحين اعتمدت المملكة اللون البنفسجي رسميًا لسجاد مراسم استقبال ضيوف الدولة في عام 2021، جاء الاختيار مرتبطًا مباشرة بهذا المشهد. فقد أوضحت وكالة الأنباء السعودية أن السجاد الجديد يتماهى مع لون صحارى المملكة وهضابها في الربيع، عندما تتزين بالخزامى والعيهلان والريحان، في صورة تعبّر عن ترحيب الأرض بعابريها وكرمها الذي يعكس كرم أهلها.
وهكذا لم يكن استبدال السجاد الأحمر التقليدي بالبنفسجي مجرد قرار جمالي، بل خطوة أعادت صياغة واحدة من أكثر لحظات الترحيب الرسمية ارتباطًا بالبروتوكول بلغة بصرية محلية. كما زُينت أطراف السجاد بنقوش السدو التقليدية، وهو فن سعودي مسجل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، ليجتمع اللون المستوحى من الطبيعة مع حرفة تراثية أصيلة في مشهد واحد.
بعد ذلك بعامين تقريبًا، انتقلت الخزامى إلى مساحة مختلفة تمامًا: السماء. عندما كشف طيران الرياض عن هويته البصرية الأولى في 2023، ظهرت الطائرات بدرجات الخزامى والنيلي في تصميم لافت، وربطت الشركة هذا الاختيار بشكل مباشر بدفء الضيافة السعودية وبألوان الخزامى التي تغطي الصحراء في الربيع.
وهنا لم يعد اللون يستقبل الضيف على الأرض فقط، بل أصبح جزءًا من الصورة التي تسافر بها السعودية إلى العالم. فالهوية البصرية لطيران الرياض تعتمد على الخزامى باعتبارها رمزًا للكرم والضيافة الأصيلة، إلى جانب النيلي المستوحى من سماء الرياض، ويصف التقرير السنوي للشركة اللون الخزامي بأنه مستوحى من الأزهار التي تغطي المملكة في الربيع، ويربطه بصورة مباشرة بالسخاء السعودي والتراث والثقافة.
اليوم، يصل اللون إلى فصل جديد مع الكشف عن الكرة الرسمية لكأس آسيا السعودية 2027 تحت اسم «خزامى». والكرة التي أعلن عنها الاتحاد الآسيوي لكرة القدم قبل 100 يوم من انطلاق البطولة، استمدت اسمها من الخزامى البري الذي ينمو في مناطق مختلفة من المملكة، أما اللون البنفسجي فيها فجاء ليعكس اللون الاحتفالي التقليدي المستخدم في استقبال الضيوف المكرمين، في إشارة واضحة إلى حفاوة الضيافة التي ستستقبل بها المملكة المنتخبات والمسؤولين والجماهير خلال البطولة.
حتى تصميم «خزامى» نفسه لا يكتفي باللون البنفسجي وحده، إذ تعتمد الكرة درجات من البنفسجي الداكن والأخضر والرملي، وهي ألوان مأخوذة من الهوية الرسمية لكأس آسيا السعودية 2027، كما تتضمن أنماطًا هندسية مستوحاة من عنصر «البوابة»، وهو عنصر بصري مأخوذ من مداخل الأبواب في العمارة النجدية التقليدية. وحتى التباين بين البنفسجي والأبيض في تصميم الكرة لم يكن تجميليًا فقط؛ فقد اختير أيضًا لتعزيز وضوحها للاعبين والحكام والجماهير في مختلف ظروف الإضاءة، سواء نهارًا أو تحت الأضواء الكاشفة.
اللافت في قصة الخزامى خلال السنوات الأخيرة هو أن استخدامها لم يعد عشوائيًا أو مرتبطًا بقطاع واحد. في المراسم الرسمية، تقول الخزامى: أهلاً بكم. وفي طيران الرياض، ترافق الضيف في رحلته. وفي كأس آسيا، ستظهر أمام ملايين المشاهدين باعتبارها جزءًا من هوية البطولة.
من أزهار تتفتح في الصحراء، إلى سجاد يفرش للضيوف، وطائرات تعبر القارات، ثم كرة تدور في ملاعب آسيا، تسير الخزامى في مسار غير معتاد، لكنها تحتفظ بالمعنى نفسه في كل مرة: الترحيب يبدأ من المكان نفسه.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : مجلة هي ![]()
معرف النشر: LIFE-011026-361

