تحدث الروائي والناقد والمترجم الجزائري محمد ساري، الذي يملك أكثر من 60 مؤلفا، في حوار مع “العربية.نت” حول واقع الأدب في الجزائر، قبيل افتتاح المعرض الدولي للكتاب 2026، كما تطرق إلى إشكالية اللغات التي أثارت جدلا في الجزائر، وواقع الترجمة، وفعل القراءة، إلى جانب تفاصيل الحدث الأدبي الذي سيحضر فيه بعنوان جديد.
العربية.نت: وقع جدل في الجزائر حول اللغة الأجنبية الأولى. هل ترى أن الواقع يفرض أن تحل الإنجليزية محل الفرنسية؟
محمد ساري: مشكلة اللغات في الجزائر أمر واقع منذ استقلال البلاد في 1962. فبعد قرابة قرن ونصف من الاستعمار الفرنسي، حيث عمل هذا الأخير المستحيل لمحو اللغة العربية من جميع الاستعمالات الرسمية، كان من الطبيعي جدا أن يكون ردّ فعل الحكومة الجزائرية وجزءا من النخبة أن يسارعوا إلى إعلان اللغة العربية لغة وطنية ورسمية مسجلة في الدستور. ولكن اللغة المنتشرة في الإدارة والتعليم ومختلف المصالح هي الفرنسية وبقيت كذلك لسنوات طويلة. ومع ذلك اجتهدت الدولة الجزائرية في تعريب المصالح الحيوية مثل التعليم والعدالة والدفاع، فأعادت الاعتبار للغة العربية. ومع ذلك بقيت الفرنسية مسيطرة خاصة في الإدارة والتعليم العالي في التخصصات العلمية كالطب والمدارس التقنية العليا. وبقيت اللغة الفرنسية هي اللغة الأجنبية الأولى بلا منافس، حتى وإن كانت اللغة الإنجليزية تدرّس أيضا ولكن ابتداء من المستوى التعليمي المتوسط. ولكن ظهور الإنترنت والرقمنة والجيل الجديد الذي لجأ إلى اللغة الإنجليزية كبديل لانتشارها وسهولة الوصول إلى منابعها عبر المواقع الأنجلوسكسونية المنتشرة عبر العالم، أحدث هزة كبرى في هيمنة اللغة الفرنسية، مما أدى بوزارة التربية إلى إعادة النظر في مرتبة اللغة الأجنبية الأولى بتفضيل اللغة الإنجليزية، حيث أُدرجت في السنة الثالثة ابتدائي وأُخرت اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة. ومما ساعد على هذا القرار الظروف السياسية وعلاقة الجزائر مع فرنسا، إضافة إلى مخلفات ملف الذاكرة الشائك، وبالأخص الجرائم الاستعمارية التي ترفض فرنسا الاعتراف بها، ولو من باب المسؤولية الأخلاقية فقط. فكثر الجدل وتعمق وتعالت الأصوات الكثيرة المدافعة عن تفضيل اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة العولمة، منادين بمحو اللغة الفرنسية من جميع المصالح الجزائرية. ولكن المسألة ليست بهذه السهولة. فالثقافة الجزائرية تحمل إرثا وطنيا باللغة الفرنسية وعلى جميع المستويات السياسية والتاريخية والأدبية. فكيف نتعامل مع هذا الإرث؟ هل يمكن محوه بجرّة قلم؟ ماذا نفعل بمئات بل الآلاف من المراجع التاريخية والأدبية وحتى العلمية التي ألّفها جزائريون لا يشك أحد في صدق وطنيتهم وهي رصيد أساسي في تكوين الشخصية الجزائرية المعاصرة؟ وما مصير الإطارات الجامعية العديدة التي تؤطر وتدرّس آلاف الطلبة، وهل بإمكان الدولة الجزائرية تعويضهم بإطارات متكونة باللغة الإنجليزية، بفتح جامعاتنا أمام إطارات أجنبية مأنجلة مثلما فعلت مع التعريب حيث تعاملت باستعجال غير مدروس أضر باللغة العربية وبمستوى الطلبة الذين تعربوا على أيدي أساتذة غير أكفاء، ومنهم من الجزائريين الذين أُجبروا على استخدام اللغة العربية وهم لا يحسنونها، مما خلق مفارقات غير تربوية، حيث أضحت لغة التدريس هي العامية وخليطا من قاموس عربي فرنسي أخلّ بالعملية التربوية وأنتج ضعفا رهيبا في المستوى اللغوي للطلبة في اللغة العربية، والذي لا تزال نتائجه الوخيمة إلى يومنا هذا. هل نريد تكرار العملية بهذا الاستعجال وننتج جيلا لا هو يتقن الفرنسية ولا الإنجليزية ولا العربية، لتصح القولة الساخرة أن الطلبة الجزائريين هم أشباه أميين في اللغات الثلاث: Analphabètes trilingues.
إنه رهان الجزائر المعاصرة كي تجد حلولا عقلانية لمشكل اللغات. كيف تعيد الاعتبار إلى مكانة اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية المعتمدة في جميع المصالح وجميع المستويات، وأراه أمرا ضروريا ملحا، لأن التطور يكون أولا وأخيرا باللغة الوطنية. والأمر ليس من السهولة بمكان، لأن واقع اللغة العربية لا يخص الجزائر فقط بل نتقاسم هذا الواقع غير المرضي مع جميع الدول العربية ولا أظن أن العربية بخير في جميع هذه البلدان.
ومن جهة أخرى وبما أننا، ولو مرحليا، لا تستطيع اللغة العربية أن تلعب دورها كاملا في التنمية البشرية والعلمية، فاللجوء إلى لغة أجنبية ضروري لا محالة. فإذا كانت دول المشرق العربي قد حسم التاريخ المعاصر اختيار لغتها الأجنبية المتمثل في الإنجليزية، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجزائر ومنطقة المغرب العربي التي تملك إرثا باللغة الفرنسية لا يستهان به ولا يمكن التفريط فيه بسهولة، كالغراب الذي أراد تقليد مشي الحجل، فما تعلم مشيها ولا أبقى على مشيه هو مثلما تقول الحكاية الشعبية. لهذا فعلى المشرفين على المصير اللغوي في الجزائر أن يتبصروا جيدا قبل اتخاذ قرارات استعجالية قد تفقد ما تبقى من وسائل انفتاحنا على العالم. فمهما يكن فإن اللغة الفرنسية، على خلاف ما يزعمه الكثير من المندفعين بلا روية ولا تريث ولا دراسة، تبقى لغة عالمية ويمكن أن نتعلم منها الكثير، وبالأخص ما تترجمه هي من اللغات الأخرى كالإنجليزية والألمانية. فإن ما يقرأه طلبتنا في علوم الطب أكثره مترجم من الإنجليزية ومن كتب حديثة جدا، وقد وقفت على ذلك بنفسي وأنا أتتبع الكتب الدراسية لأبنائي وهم الآن أطباء مختصون، زيادة طبعا إلى الكتب التي يقرأونها في اللغة الإنجليزية مباشرة. ورأيي أن نحافظ على إرثنا باللغة الفرنسية وعلى ما تقدمه هذه اللغة من معارف عالمية مترجمة، دون أن نغفل ما تقدمه اللغة الإنجليزية من مستجدات، وخاصة في المستويات الدراسية العليا.
الحقيقة أننا لا يمكن ترقية اللغة العربية لتستجيب لجميع متطلبات المجتمع الثقافية والعلمية والتقنية، فما علينا إلا الاستفادة من اللغتين الأجنبيتين الفرنسية والإنجليزية بانتهاج سياسة تعليمية واقعية رصينة خاصة في التعليم باختيار الأساتذة المكوّنين تكوينا متقنا ومناهج ذات مستوى عالمي، وهذا الحل يستبعد الاستعجال والقرارات الاستعجالية، والجزائر تعرف نتائجها الوخيمة في سياسة التعريب المنتهجة في ثمانينيات القرن الماضي.
ألا يمكن أن تنهي الترجمة جميع الإشكالات المتعلقة باللغات؟ أو ترى أن الترجمة خيانة؟
فعلا يمكن للترجمة أن تنهي جميع هذه الإشكاليات مثلما فعلت وتفعل دول أوروبية وآسيوية حيث انتهجت سياسة ترجمية شاملة لتعليم أبنائها بلغتهم في المستويات الأولى من التعليم وربما إلى غاية السنوات الأولى الجامعية، قبل أن تفتح المجال للغة أجنبية، وهي في الغالب الإنجليزية لمواصلة نخبها التعليم والبحث الذي يلتحم مع العولمة. ويتطلب هذا الأمر أن تفتح جميع الدول العربية ورشات ترجمية في جميع مجالات المعرفة وبتعاون وعمل مشترك كي لا تضيع الجهود في ترجمة عمل واحد مرات عديدة وبشكل منفرد. وهذه مضيعة للجهود. فالتنسيق أمر ضروري.
صحيح أن هذا الأمر بعيد المنال ولا أراه يتحقق على المستوى القريب والمتوسط للعراقيل المتراكمة في المجالات السياسية والجغرافية إلخ… وما إلى ذلك من عوائق عصية التجاوز.
ومع ذلك يبقى الحلم مشروعا إذا أردنا الخروج من الدونية التي يُحسّ بها المواطن العربي تجاه لغته، ويضطر الطالب العربي إلى اللجوء الدائم والمستمر إلى اللغة الأجنبية كي يستكمل تعليمه حتى وإن لم يكن ذات مستوى عالٍ.
لماذا يقل إنتاج الترجمة في الجزائر؟
الفعل الترجمي ضعيف، ليس على مستوى الجزائر فقط، وإنما على جميع جغرافية الوطن العربي، من الخليج إلى المحيط. لنرجع فقط إلى الإحصائيات التي تنشرها المنظمات العالمية المكلفة بالكتاب والترجمة والتي تقول إن جميع ما تنشره البلدان العربية مجتمعة من كتب مؤلفة ومترجمة لا يرتقي حتى إلى ما تنشره بلدان أوروبية صغيرة حجما جغرافيا وديموغرافيا وما تحوزه من خيرات مالية وطبيعية. والأسباب متعددة ومتشابكة وتعود أصلا إلى التخلف الاقتصادي ومستوى المعيشة المتدني لأغلبية فئات الساكنة، والذي يفسّر قلة القراءة لغلاء ثمنه ولأسباب أخرى متعددة معروفة وقد تحدثت عنها في مقالات وحوارات سابقة لي. أول الحلول هو تأسيس مراكز وطنية وعربية للترجمة، تعطى لها الأموال وحرية الاختيار وحرية التواصل الدولي بلا قيود. قد يساعد هذا على ترقية الترجمة لتوفير أكبر عدد من الكتب في جميع مجالات المعرفة للطلبة خاصة ولعموم القراء.
نحن على بعد أسابيع من المعرض الدولي للكتاب، هل ما زالت الرواية هي الفن الأدبي الطاغي؟
إنه أمر فرض نفسه على المستوى العالمي، حيث أصبحت الرواية بمختلف أنواعها تستقطب القراء أكثر من أنواع أدبية أخرى مثل الشعر والمسرح المقروء، ذلك أن المسرح الذي يمثّل على الخشبة منتشر بكثرة في الدول الأوروبية، وفي بعض الدول العربية مثل مصر مثلا التي تملك مسرحا قويا يرتاده الجمهور باستمرار، ولكنه يقدَّم باللغة العربية الدارجة وليس بالفصحى إلا في بعض المسرحيات التاريخية. فعلا أصبحت الرواية هي عروس جميع معارض الكتاب، العربية منها والدولية، وهي عروس الناشرين الذين لا ينشرون الشعر إلا بالتقطير لقلة الإقبال عليه. وهو أمر طبيعي جدا لما توفره الرواية للقارئ من قصص مسلية وممتعة للقراءة ودون عناء كبير. ومن طبيعة القارئ عموما، باستثناءات قليلة جدا، أن يميل إلى القراءة السهلة المسلية، التي يمضي بها أوقات فراغه، خاصة في عصر السرعة وكثرة وسائل التسلية وتمضية الوقت من وسائل التواصل الاجتماعي والرقمنة وقنوات تلفزية وسينمائية تقدم أفلاما أكثر إمتاعا وتسلية من الرواية نفسها.
ولكن بالنسبة للرواية العربية أظن أنها ضحية لغتها الفصحى التي تُكتب بها، لأن عموم الشعب العربي لا يتقن القراءة بها، بخلاف ما يحدث في الغرب، حيث إن الفرق بين اللغة المكتوبة واللغة الشفهية ضئيل جدا لا يكاد يظهر، فالمواطن العادي يقرأ الرواية البوليسية ورواية المغامرات العجائبية والخيال العلمي ورواية الحب وغيرها من أنواع متعددة لأن لغتها سهلة سلسة وقائمة على السرد المختصر حول الأحداث والحوار التي لا تختلف عما يعرفه ويسمعه هذا القارئ في المقاهي والأماكن العمومية والخاصة. لذلك عندهم روايات تباع بالملايين وأسماء كتابها من الأثرياء الذين يعيشون بإيرادات مبيعات كتبهم، وأبرز مثال عندنا من الجزائر الكاتب ياسمينة خضرا الذي يملك قراء بالآلاف، إلى جانب أسماء عالميين معروفين جدا، مثل ستيفان كينغ، غيوم ميسو، دان براون مؤلف شفرة دافينشي، ج. ك. راوليغ مؤلفة سلسلة هاري بوتر وغيرهم من المشاهير.
فأين نحن من هؤلاء؟ ولا أظن أن كاتبا عربيا يعيش من إيرادات كتبه. مرة صرّح صنع الله إبراهيم أنه لولا إيرادات كتبه المترجمة لمات جوعا. شهرته العربية كبيرة ولكن مبيعات كتبه قليلة جدا لا تمنحه ما يكفي للعيش الكريم. طبعا هناك من يتهم الناشرين بأنهم يستغلون المؤلف ولا يمنحون له جميع حقوقه، وأول المشتكين نجيب محفوظ حيث قرأت أنه قال إن الناشرين اللبنانيين خاصة يطبعون الآلاف من رواياته دون أن يتلقى جنيها واحدا. وقد ذكر ذات مرة جبرا إبراهيم جبرا أنه صاحب خمسة وخمسين كتابا، ومع ذلك لولا أجرته كأستاذ جامعي لتسوّل قوته اليومي، موضحا أن أي كاتب في الغرب يملك هذا العدد من الكتب تأليفا وترجمة سيعيش حتما بإيرادات كتبه.
ومع كل هذه المعوقات الباعثة لليأس، تبقى صالونات الكتاب العربية، بما في ذلك صالون الجزائر، موعدا للفرح واللقاء، خاصة للكتاب والناشرين، ذلك أن الكاتب العربي أصبح يكتفي بأدنى مورد: أن يجد ناشرا ينشر كتابه ويسوّقه، دون أن يطلب من المساهمة المالية في طباعة الكتاب، جزئيا أو كليا، مثلما يحدث في كثير من البلدان العربية، وعندنا أيضا مع كثير من دور النشر المستحدثة للربح السريع، حيث تحول هؤلاء إلى سماسرة وسطاء بين الكاتب والمطبعة دون أن يقدموا أدنى خدمة في مراجعة المخطوط على مستوى التحرير والتدقيق اللغوي.
إنها مأساة الروائي العربي، خاصة المبتدئين منهم. طبعا أستثني هنا الناشرين المحترمين وهم كثيرون الذين يحترمون هذه المهنة ويقدّرون النصوص التي تقدم إليهم ويعملون على تقديمها في أحسن حلة، برغم قلة المقروئية وصعوبات توزيع الكتاب، سواء في الجزائر أم في العالم العربي، وهم معروفون عند المهتمين بالشأن الأدبي وطباعة الكتاب، فلا داعي لذكر الأسماء. وأنا تعاملت معهم بكل أريحية، وتقبلوا مخطوطاتي بصدر رحب ونشروها وروّجوا لها.
ما رأيك في الرواية الخيالية؟ ولماذا يعتبرها النقاد أدبا ثانيا؟
ظهرت رواية علم الخيال في أوروبا وأميركا وشكلت لنفسها جمهورا عريضا من القراء. أما لماذا تُستبعد من الأدب الرفيع وتسمى بالأدب الهامشي أو الجانبي paralittérature فلأسباب عديدة، أولها أن هذه الروايات لا تشتغل على اللغة الأدبية والشعرية، وإنما تعتمد على اللغة الجاهزة وهمها الأساسي تقديم الحكاية وعناصر التشويق، وهي موجهة أساسا للتسلية وخالية من العمق الإنساني الوجودي والفلسفي، إلا ما ندر. ومثلها مثل الرواية البوليسية وروايات المغامرات التي ذكرتها سابقا. فهي لا تقدم الحياة البشرية مثلما تتجلى لدى البشر عموما وإنما تعتمد على الخيال والعجيب غير القابل للتحقيق بشكل مطلق. مثل الشخصيات الخارقة للعادة أمثال سوبرمان والأبطال الذين يتغلبون على جميع الصعوبات، فالمتفرج والقارئ يتسلى بها دون أن تثير لديه أي إحساس لا بالحب ولا بالكراهية، فبمجرد الانتهاء من القراءة يرميها دون رغبة العودة إليها. ولهذا سميت بروايات المحطة romans de gare، يتسلّى بها القارئ أثناء السفر في القطار ويهملها في مكان جلوسه عند المغادرة. وعندما تتجول في مكتبات الكتب القديمة في شوارع باريس مثلا تجدها مكدسة تباع بالسنتيم لمن أراد اقتناءها، بينما لا تجد الكتب الأدبية لمشاهير الأدباء إلا نادرا وبأثمان مرتفعة دوما، خاصة إذا كانت الطبعات قديمة ونادرة، فتتحول إلى تحفة متحفية، يسرع القارئ المتخصص إلى اقتنائها وإن بثمنها المرتفع.
ما هو جديدك في المعرض الدولي للكتاب؟
عندي رواية جديدة بعنوان “التموّج على صفة وادي النسيان” الصادرة عن دار العين بالقاهرة، الدار التي سبق أن نشرت لي روايتين سابقتين “نيران وادي عيزر 2022″ و”كعبة الشمال والزمن الخائب 2024”. والتي ستكون حاضرة في معرض الكتاب المقبل بالجزائر في الفترة ما بين 28 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 2026، في جناح دار العين.
إن رواية “التموّج على ضفة وادي النسيان” تعد جديدة في مساري السردي سواء من حيث المضمون أو الشكل. فإذا كانت رواياتي السابقة لصيقة بالحياة الاجتماعية والتاريخية للجزائر الحديثة من زاوية المذهب الواقعي مثلما تجلى في سرديات الرواية العربية الحديثة للقرب العشرين، سواء من حيث الحبكة الكلاسيكية أو الشخصيات المتجذرة في سياق اجتماعي وسياسي لفترات تاريخية معلومة وكذا أسلوب الوصف المرافق لهذه الواقعية، فإن هذه الرواية الجديدة تقدم تيمة تجمع بين راهن واقع جغرافي أنتروبولوجي يتلاشى مع السنوات والتطور التكنولوجي إلى حد الاندثار وماضٍ أسطوري، لصيق بالتراث الشفهي والمغلف بالتقديس تارة وبإعادة النظر في تأريخيته تارات أخرى. تنبني الرواية على تناوب في سرد الأحداث وتقديم الشخصيات، في حكايتين مختلفتين في الظاهر ولكنهما تتوازيان، تكتملان، وتلتقيان في نهاية المطاف، ذلك أن زمن الحكاية الأولى مطاطي، يغوص في سيرة الشخصيات، وبالأخص شخصية السارد الأول الذي يفتتح الحكي بالعودة إلى الجذور، ليحكي لنا سيرة الجد الأسطورية، بين ما ترويه الحكايات الشفهية المتعددة المشارب وبين ما سجلته المخطوطات المكتشفة داخل ضريح الجد الآيل للزوال من فرط الإهمال وانشغال أهله الذين لا يزالون يحملون اسمه ولكن مشاغل الحياة الجديدة أبعدتهم عنه. فيعكف السارد على فك طلاسم تلك السطور وهي قاب قوسين أو أدنى من المحو، ليفكك حروفها التي نخرتها الحشرات وقدم الصفحات الصفراء. هكذا تتركب الحكايات وتتناوب، فمرة يحمل عبء السرد الفتى عليّ أو عبد القادر، ليغوص بالقارئ في متاهات لولبية، مستعرضا نرجسيته وذكاءه وقدرته على منافسة الأجداد في صياغة سردية جديدة لا تمحو القديمة كلية وإنما تصححها بالتحريف والتزوير، مرفقة بحكايات يحار هو نفسه كيف وأين يصنفها، أضمن الأحداث الحقيقية المحتملة الوقوع والتي يتقبلها العقل أم ضمن أساطير حديثة تنسل من الأساطير القديمة، مفتخرا بأنه هو أيضا يجوز له أن يصنع أساطيره، لأن الكتابة، وهو العاكف على كتابة مخطوط جديد يعتمد على المخطوطات السابقة ولكنه يختلف عنها، كونه يعتقد جازما بأن فعل الكتابة يحمل في طياته بالضرورة جديدا وهذا الجديد لن يكون إلا بالتغيير وإن كان تزويرا وتحريفا.
أما الحكاية الثانية المتناوبة مع الأولى فهي قصة ربوتين متقابلتين، ربوة الزيتونة وربوة التينة، مكان جغرافي يتأسطر شيئا فشيئا، ويفصل بين الذروتين وادي بوحنيشة، ويسمى أيضا وادي عيزَر، ذلك أن الأسماء تتعدد وتتنوّع للشيء الواحد، مثل السارد الذي يحمل اسمين عليّ وعبد القادر، وكان الوادي ذات زمن آهلا بالمياه والأسماك والطبيعة التي تجود بكل ما لذ وطاب، ولكنه لم يعد كذلك بسبب الجفاف الذي طال أمده، وبدا كأنه سيخلد ويقضي على علامات الحياة فيه. وعلى كل ربوة شيخ، الشيخ عبد القادر والشيخ سليمان، قريبان من جد واحد، انفصل أبناؤه ذات زمن بعيد، ليعيشوا عداوة وقطيعة استمرت طويلا. يعيشان في زمن بدا متوقفا، فوق أرض قاحلة وتحت سماء حارقة ترفض أن تجود بغيث، وينتظر الشيخان معجزة قد تأتي من البحر، أو من الوادي الذي تحول إلى بحر في نظر الشيخ سليمان، حيث تحدث أشياء غريبة أغرت أبناءهما بالانسياق خلفها. وربما أتى الغيث من الصحراء، حيث أصل جذور الجد، الولي الصالح الذي حماهم ويحميهم منذ قرون. ولكن لا غيث ولا مطر، ولا معجزة، لا من البحر ولا من الصحراء. بل تزيدهم الكوارث الطبيعية كغزو الجراد ومداهمة الذئاب الجائعة المكلوبة، كما يتسبب الجفاف وانقطاع المياه من الآبار والوادي في نشوب حرب قد تأتي على ما تبقى من نبض الحياة في كامل ضفتي الوادي وعلى الربوتين الآهلتين بالسكان. ولا أحد من الشيخين، وكل منهما رب أسرة من الرجال والنساء والخدم وأراض شاسعة وقطعان ماشية، إلا أنهما لا يعملان على ترقيتها أو محاولة تغييرها. يكتفيان بمراقبة بعضهما البعض، ويحلمان بأيام جميلة دون مغادرة مكانهما.
حكايات أخرى تتداخل، كسيرة علي العجيبة الذي يؤكد، كما لو أنها حقيقة غير قابلة للنقض، على أنه يتذكر يوم ولادته وماذا رأى في ذلك اليوم الممطر، ومراحل طفولته القاسية وذاكرته الفذة التي تجعله يحفظ الآية من سماع أول ووحيد، وكذا حكاية أبيه المسمى بعلّي الذيب بسبب حادثة غريبة وقعت له مع ذئب، أو شبل ذئب، هزّت أهل القرية وبقيت الحادثة تتردد على ألسنتهم لسنوات. ولكن الحكاية الغريبة ينفرد بها جده المسمى سيدي عبد القادر السبايعي لأنه قتل سبعا لينقذ قرية من الهلاك، والذي لم يخرج من قريته البعيدة إلا لأنه رأى في منامه كما يرى الأنبياء رؤية غريبة، تسببت في هجرته وبداية أسفار العجيبة.
أخيرا يأتي الفناء والدمار، ولا يبقى للسارد الذي عكف على كتابة مخطوطة يخلّد بها ذكرى الوادي المقدس الذي سيتحول إلى بحر، إلا تسجيل ما سمحت له ذاكرته بالاحتفاظ به، وإن كانت هذه الذاكرة هي أيضا أصابها التلف، كما أصاب تلف غريب حروف المخطوط حيث بدأت هي أيضا تنمحي، وتعود صعوبة التسجيل شبه مستحيلة.
رواية “التموّج على ضفة وادي النسيان” هي فعلا تموّج يسافر بالقارئ عبر عوالم تجمع بين الحقيقي والمتخيّل، عبر حكايتين متناوبتين، تفترقان وتلتقيان، وتتلقحان عبر محطات مفصلية، ليتواصل السرد في عملية إغراء وإدهاش عبر أسلوب سردي ولغة واصفة، لاصقة بالمجسد من الأشياء، وإيحائية تشير إلى تلك الأشياء، لتتركها تحلّق في فضاءات حالمة تارة، وواهمة كابوسية تارات أخرى.
وهي فعلا رواية جديدة بأتم معنى الكلمة في مساري الروائي.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : الجزائر: أصيل منصور ![]()
معرف النشر: MISC-021026-656

