احتفظت “تيتانيك” بمكانتها في الذاكرة العالمية بوصفها رمزاً للفواجع البحرية، لكن مياه البلطيق شهدت كارثة أشد هولاً ظلت أقل حضوراً: غرق السفينة الألمانية “فيلهلم غوستلوف” عام 1945، ومصرع نحو تسعة آلاف شخص، أي قرابة ستة أضعاف ضحايا “تيتانيك”.
ففي الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، صعد آلاف إلى الباخرة هرباً من الموت، لتقودهم إلى ما اعتقدوا أنها رحلة النجاة إلى المياه المتجمدة، وتضيع أصداء مأساتهم وسط أخبار الحرب وانهيار ألمانيا.
من السياحة إلى الإجلاء
لم تكن تلك النهاية تشبه البداية؛ فعندما أُطلقت السفينة عام 1937، خُصصت للقيام برحلات سياحية مدعومة للعمال الألمان، ضمن برنامج ترفيهي استخدمه النظام الناازي لكسب التأييد الشعبي.
وبمسبحها الداخلي وقاعات الاستراحة، حملت ركابها إلى المضائق النرويجية وموانئ البحر المتوسط، قبل أن تفرض الحرب عليها أدواراً مختلفة تماماً. ومع اندلاع القتال عام 1939، تحولت إلى سفينة مستشفى عائمة، ثم إلى ثكنة عائمة لمتدربي البحرية على العمل في الغواصات. وبعد سنوات أمضتها راسية في ميناء غوتنهافن، المعروف اليوم باسم غدينيا في بولندا، أعادها تقدم القوات السوفيتية إلى البحر في مهمة أخيرة.
ففي مطلع عام 1945، أطلقت ألمانيا عملية “هانيبال” لإجلاء المدنيين والعسكريين من المناطق المهددة بالسقوط. ومع انقطاع طرق الفرار البرية، احتشد الهاربون في الموانئ، وتعلقت آمال آلاف العائلات بباخرة بدت لهم طريقاً إلى الأمان.
رحلة أثقلها الخوف والاكتظاظ
وفي 30 يناير/كانون الثاني، غادرت “فيلهلم غوستلوف” الميناء وعلى متنها أكثر من عشرة آلاف شخص، وفق تقديرات لاحقة، بينهم نساء وأطفال وجنود جرحى وأفراد من البحرية. وتجاوز هذا العدد بأضعاف طاقتها المعتادة في الرحلات السياحية، التي كانت تقل عن 1500 راكب.
ولاستيعاب تلك الحشود، امتلأت الممرات والقاعات، واستُخدم حتى المسبح بعد إفراغه. وبينما حاول الركاب احتمال الزحام على أمل الوصول سالمين، كانت الثلوج والبحر المضطرب يزيدان الرحلة صعوبة، ويضعان قادة السفينة أمام قرار حاسم بشأن مسارها.
كان الاقتراب من الساحل يحمل خطر الألغام، فيما يفتح الإبحار في المياه الأعمق احتمال مواجهة غواصات معادية. واختار القادة المسار الثاني، في وقت تقلصت فيه الحماية المرافقة بعد تعطل إحدى سفن الحراسة واضطرارها إلى العودة.
3 طوربيدات ونهاية مفجعة
في المساء، رصدت الغواصة السوفيتية “إس-13″، بقيادة ألكسندر مارينيسكو، الباخرة وأصابتها بثلاثة طوربيدات. ومع اندفاع المياه وميل السفينة، تحول الاكتظاظ إلى عقبة أمام النجاة؛ إذ تعذر على كثيرين عبور السلالم والممرات، خصوصاً العائلات المصحوبة بأطفال.
ولم تكن قوارب النجاة كافية لهذه الأعداد، فيما أعاق التجمد وميل الباخرة إنزال العديد من القوارب. وأمام تضاؤل فرص الهرب، قفز كثيرون إلى المياه الجليدية، بينما لم تتمكن سفن الإنقاذ من انتشال سوى نسبة محدودة من الركاب.
وخلال أقل من ساعة، اختفت السفينة تحت سطح البحر، في مأساة تُعد، رغم اختلاف تقديرات ضحاياها، الأكثر دموية لغرق سفينة واحدة. لكن الفاجعة سرعان ما توارت خلف أحداث نهاية الحرب. واليوم، يرقد حطام “فيلهلم غوستلوف” قبالة الساحل البولندي بوصفه مقبرة حرب، شاهداً على آلاف فروا من موت يقترب على اليابسة، فوجدوه ينتظرهم في البحر.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : الرياض – العربية.نت ![]()
معرف النشر: MISC-081026-522

