شهدت فرنسا خلال ليلة 11 إلى 12 أكتوبر الجاري هجوماً إلكترونياً غير مسبوق استهدف أنظمة التحكم في التبريد داخل عدد كبير من المتاجر والسلاسل التجارية الكبرى، مما أدى إلى رفع درجات حرارة الثلاجات والمجمدات بشكل مفاجئ لتصل إلى نحو 50 درجة مئوية.
وأسفر هذا الهجوم عن إتلاف كميات ضخمة من الأغذية واندلاع حرائق في بعض المواقع، لتعلن السلطات الفرنسية فتح تحقيق موسع بمشاركة الجهات المختصة بالأمن السيبراني، في حادثة فرضت تحولاً خطيراً في طبيعة التهديدات الرقمية التي انتقلت من شاشات الحواسيب إلى البيئة المادية.
وتكمن الخطورة الحقيقية لهذا التطور في أن القراصنة لم يسعوا لسرقة البيانات أو تشفير الملفات، بل حوّلوا الثلاجات والمجمدات إلى أفران مشتعلة عبر تلاعب تشغيلي مباشر بالأنظمة.
هذا التحول الاستراتيجي دفع المختصين في الأمن السيبراني والاستراتيجيات العسكرية للتأكيد على أن العالم يواجه جيلًا جديدًا من الهجمات لا يهدف لطلب الفدية المالية فحسب، بل يمتد لضرب سلاسل الإمداد وإرباك الأمن الغذائي، مشددين على أن صلاحيات التحكم الرقمية باتت سلاحاً ذا حدين إذا لم تحصّن بضوابط أمنية صارمة.
وحول تفاصيل هذا التحول الاستراتيجي، كشف الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في تصريحات خاصة ل “العربية.نت” و”الحدث.نت”، أن الواقعة ليست مجرد حادث تقني عابر، بل إنذار يستوجب إعادة النظر في مفهوم الأمن السيبراني برمته.
وأوضح أن المهاجم لم يكن يحتاج لسرقة بيانات العملاء أو تعطيل أنظمة الدفع لإحداث أضرار جسيمة، بل استهدف وظيفة تشغيلية حيوية تتمثل في الحفاظ على درجات حرارة الأغذية، مشيراً إلى أن الخطر يكمن في تحول صلاحية التحكم الرقمية من أداة لخدمة الإنسان إلى وسيلة لإلحاق الضرر به.
وأشار الدكتور رمضان إلى أن أنظمة التبريد التجارية الحديثة لم تعد أجهزة كهربائية تعمل بصورة مستقلة، بل منظومات مترابطة تضم وحدات تحكم إلكترونية ومستشعرات وبرمجيات لإدارة دورات التبريد، مع إمكانية المراقبة عن بُعد.
ولفت إلى أن التقارير الأولية ربطت الهجوم بأنظمة تحكم صادرة عن شركة “Danfoss” الدنماركية، مع الاشتباه في إساءة استخدام وظائف إزالة الجليد ورفع درجات الحرارة عن بُعد، مؤكداً أنه من الناحية التقنية، عندما يتمكن المهاجم من الوصول لعدة التحكم أو التلاعب بدورات إزالة الجليد، ترتفع درجات الحرارة تدريجياً لتتلف المنتجات وتتعطل المعدات.
من جانبه، أوضح اللواء خالد الشاذلي مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، في تصريحات خاصة لـ “العربية.نت” و”الحدث.نت”، أن التحليل السيبراني للواقعة يكشف أهمية حماية “التكنولوجيا التشغيلية التي تراقب المعدات والعمليات المادية، بخلاف أنظمة تقنية المعلومات التقليدية التي تركز على البيانات والتطبيقات.
وأكد أن كثيراً من المؤسسات تنفق مبالغ طائلة لحماية الخوادم والبريد الإلكتروني، لكنها تتعامل بتساهل مع وحدات التحكم الصناعية أو تترك أجهزة الصيانة متصلة بالإنترنت دون عزل كافٍ، وهي ثغرة أمنية في التفكير الاستراتيجي قبل أن تكون ثغرة في البرمجيات.
وأضاف اللواء الشاذلي أن المخاطر تتضاعف عند استخدام كلمات مرور افتراضية أو ضعيفة، أو إهمال تحديث البرمجيات الثابتة، أو منح شركات الصيانة صلاحيات واسعة دون قيود وصول مشددة. وشدد على القاعدة الذهبية الأمنية: “كل جهاز متصل بالشبكة ويمتلك قدرة على تغيير الواقع المادي يجب أن يُعامل بوصفه أصلًا أمنيًا حيويًا، لا مجرد قطعة من المعدات”.
وشدد اللواء الشاذلي على أن هذا التهديد يعيد تعريف مفهوم الضرر الرقمي، حيث أصبحت الهجمات السيبرانية قادرة على تعطيل عمليات مادية واقتصادية حقيقية تمتد لتشمل التبريد والتدفئة والطاقة والمياه والمخازن اللوجستية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : القاهرة: محمد مخلوف ![]()
معرف النشر: MISC-151026-828

