إقتصاد

في فخ الديون .. لماذا تنجو واشنطن وتحترق باريس؟

34f165c5 2af2 4fde 9901 df888645cd99 file.jpg

مع بلوغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قرابة 125%، تواجه هذه الدولة المنقسمة سياسياً، والتي تشهد شيخوخة سكانية وضغوطاً على مستوى تكاليف المعيشة، خيارات صعبة لإصلاح أوضاعها المالية، لكن لا يبدو أن شعبها أو سياستها يمتلكون الإرادة اللازمة لمواجهتها.

قد تبدو هذه الأوصاف مطابقة لفرنسا، غير أنها في الواقع تصف الولايات المتحدة.

صحيح أن الولايات المتحدة لم تشهد مؤخرًا موجات شغب أسفرت عن اعتقالات بأعداد كبيرة، على عكس فرنسا التي رصدت أعمال نهب وتخريب في نحو 50 فرعًا لسلسلة متاجر “كارفور” وأُحرِق مبنى بلدية مدينة ليموج.

ومع ذلك، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا أقل قليلًا من نظيرها الأمريكي، كما أن العجز المتوقع في الموازنة الفرنسية هذا العام، والبالغ نحو 5.4% من الناتج المحلي، أدنى من العجز المتوقع في الولايات المتحدة والبالغ 6.1%.

وفوق ذلك، تدفع فرنسا للمستثمرين عائدات أقل بنحو 20 نقطة أساس من تلك التي تدفعها الولايات المتحدة عند الاقتراض لأجل عشر سنوات، حتى بعد ارتفاع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات بنحو 10 نقاط أساس يوم الاثنين، مع الإشارة إلى أن العوائد تتحرك عكس أسعار السندات.

ولا تعد احتجاجات الطلاب حدثاً معزولًا، فقد اندلعت 26 احتجاجًا مماثلاً هذا العام في أماكن متعددة من الهند إلى الولايات المتحدة.

وبحسب “ماركت ووتش”، يقول بلال حفيظ، الخبير الاستراتيجي السابق في “دويتشه بنك” و”نومورا” ورئيس خدمة الأبحاث “ماكرو هايف”: إن هذه الاحتجاجات تختلف في حجمها لكنها تشبه العدوى، والقواسم المشتركة بينها تتمثل في تراجع الإنفاق على التعليم وما ينشأ عن ذلك من تآكل البنية وتجدد الاكتظاظ في الفصول وارتفاع الرسوم الجامعية وتكاليف السكن وتآكل الأمل.

واقتبس حفيظ المراحل الست للدين والنظام العالمي التي وضعها راي داليو، مؤسس صندوق “بريدج ووتر أسوشيتس”، موضحًا أن المرحلة الرابعة تتسم بالإفراط في الإنفاق وتراكم الديون، والخامسة تحدث عندما تصبح الديون لا يمكن إدارتها مع استقطاب سياسي داخلي حاد وصراع طبقي، أما المرحلة السادسة فتعني الانهيار والصراع وسقوط النظام القائم على القواعد والعودة إلى مبدأ القوة، وبحسب تقدير داليو فإن العالم يمر الآن بالمرحلة السادسة.

وبالنسبة لفرنسا على وجه الخصوص، تأتي هذه الاضطرابات قبيل مراجعة وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني المقررة يوم الجمعة، ولا يُرجح أن تكون نتائجها إيجابية.

ويتزامن ذلك مع محاولات الحكومة الفرنسية لتمرير الموازنة عبر برلمان منقسم. وفي هذا السياق، يشير نيكو فيتزروي، كبير محللي الشؤون الأوروبية لدى “سيجنوم جلوبال”، إلى مفارقة مفيدة لفرنسا؛ فمارين لوبان، المتصدرة لسباق الانتخابات الرئاسية والتي تقترح خفض سن التقاعد إلى 60 عامًا، حريصة على إظهار صورة من الأمن والاستقرار، الأمر الذي يدفع حزبها إلى تفادي المغامرة وعرقلة الموازنة وإدخال البلاد في أزمة جديدة.

لكن فرنسا تواجه مشكلات تختلف عن نظيرتها الأمريكية، أولها محدودية قدرتها على الاعتماد على النمو للخروج من مأزق الديون، إذ نما الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.9% فقط العام الماضي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن لا يتجاوز نموه 0.5% هذا العام، بينما حققت الولايات المتحدة نموًا قدره 2.3% العام الماضي وهو معدل يتوقع الصندوق أن يستمر خلال عامي 2026 و2027.

علاوة على ذلك، يرزح القطاع الخاص الفرنسي تحت وطأة ديون ثقيلة؛ فجملة ديون الأسر والشركات غير المالية تمثل نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نحو 1.5 ضعف فقط في الولايات المتحدة.

لكن الفارق الأهم يكمن في النفوذ الاستثنائي للولايات المتحدة في الأسواق المالية العالمية.

وفي هذا الإطار قال ستيف إيزمان، المستثمر المعروف الذي وثقت سيرته فيلم “The Big Short”، في حديث إذاعي عن مشاكل فرنسا: “الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، والأهم أن النظام المالي العالمي بأسره مبني على سندات الخزانة الأمريكية”.

وأضاف: “سوق الريبو، وهو سوق مصرفي بمليارات الدولارات، يستخدم سندات الخزانة الأمريكية فقط. وعندما ترغب المؤسسات المالية الكبرى في إيداع سيولتها فإنها تشتري سندات الخزانة. وما لم يظهر بديل ضخم وآمن وسلس لسندات الخزانة، ستظل الولايات المتحدة تتمتع بامتياز الزمن… لكنه ليس مضمونًا إلى الأبد”.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 9
المصدر الرئيسي : aleqt.com CNN Logo
معرف النشر: ECON-201026-260

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 59 ثانية قراءة