في خطوة جريئة أثارت اهتمام الأوساط الفنية والنقدية في مصر والعالم العربي، نجح الكاتب والباحث السعودي خالد ربيع السيد في تسليط الضوء على زوايا خفية وغنية من أرشيف السينما المصرية وعمالقتها عبر إصداره المثير للجدل “سينما الاستنساخ المصرية”.
وقد تحول الكتاب منذ لحظات صدوره الأولى إلى مرجع استثنائي وساحة مفتوحة للنقاش بين مؤيد ومعارض، نظراً لاقتحامه منطقة شائكة تتعلق بظاهرة التمصير والاستنساخ الفني لنصوص وأفلام سينمائية عالمية وغربية دون الإشارة الصريحة في كثير من الأحيان إلى الأعمال الأصلية.
وبينما حظي العمل بإشادات نقدية واسعة لجرأته ومنهجيته، اصطدم بحالة من الجدل الصاخب حول حدود النقد الموضوعي وتناول رموز الفن المصري كعادل إمام، وأحمد حلمي، ويوسف شاهين، وأبو السعود الإبياري.
من هوليوود.. إلى بوليوود
في تفاصيل الكتاب، سلط الناقد السعودي الضوء على عدد من أبرز كلاسيكيات السينما المصرية التي اعتمدت على استنساخ ونقل أفكارها من أعمال عالمية، حيث برز فيلم “إشاعة حب” لعمر الشريف وسعاد حسني عام 1961 كنموذج مبكر للتمصير الذكي لثقافة الخمسينيات، وهو مأخوذ عن الفيلم الكوميدي الرومانسي الأميركي “حديث المدينة” الصادر عام 1942.
وكشف الكتاب أن الظاهرة تواصلت عبر العقود لتمتد إلى الاستنساخ من السينما الهندية كما في فيلم “الظالم والمظلوم” للفنان نور الشريف عام 1989، والمقتبس من الفيلم الدرامي القتالي الهندي “الطريق الأخير” بطولة أميتاب باتشان، فضلاً عن نقل حبكة فيلم الجريمة الأميركي الشهير “الوجه ذو الندبة” لـ “آل باتشينو” وإعادة صياغتها داخل بيئة تجارة المخدرات من خلال فيلم “الإمبراطور” للفنان أحمد زكي عام 1990.
ولم تتوقف اقتباسات السينما المصرية عند أفلام الحركة والجريمة بل امتدت لتشمل أعمالاً أخرى، إذ أُعيد تقديم الفيلم الغربي الأميركي “السبعة الرائعون” – المقتبس بالأساس من الفيلم الياباني التاريخي “السموراي السبعة” – في قالب مصري شهير من خلال فيلم “شمس الزناتي” للفنان عادل إمام في العام 1991.
“عصابة حمادة وتوتو”.. و”طير إنت”
وشهدت أفلام الإثارة تمصير رواية الكاتب ستيفن كينغ الشهيرة والتي قُدمت عالمياً في الفيلم الأميركي “دولوريس كلايبورن”، لتتحول في السينما المصرية إلى الفيلم الاجتماعي الجريء “المرأة والساطور” لنبيلة عبيد وأبو بكر عزت عام 1997.
وفي مجال الكوميديا والفانتازيا، برز الاعتماد على القوالب الأجنبية لإسقاطها على الواقع المحلي، كما حدث في فيلم “عصابة حمادة وتوتو” لعادل إمام ولبلبة عام 1982، والمستوحى من الكوميديا الأميركية “المرح مع ديك وجين” الصادرة عام 1967 والتي تناولت قصة زوجين يتجهان إلى السرقة لتغطية أزمتهما المالية.
وعلى النهج نفسه، استلهم فيلم “طير إنت” للفنان أحمد مكي عام 2009 حبكته الفانتازية من الفيلم الأميركي “مبهور” الصادر عام 2000، وهو العمل المقتبس بدوره من نسخة بريطانية أقدم قُدمت في أواخر الستينيات.
وفي هذا الحوار الشامل مع “العربية.نت” و” الحدث.نت “، يفتح الكاتب قلبه وعقله ليكشف كواليس ست سنوات من البحث والمشاهدة المتأنية لأكثر من ألف فيلم، ليرد على الانتقادات، شارحاً أبعاد مشروعه الفكري الذي يصفه قبل كل شيء بأنه رسالة حب وعرفان لتاريخ السينما المصرية العريقة.
*في البداية لماذا اخترت السينما المصرية من بين سينمات الوطن العربي لكي تخصص كتابا في فحص تاريخها؟
وهل هناك سينما ثرية في الوطن العربي وغزيرة الإنتاج ومتاحة لكل شعوب العالم العربي غير السينما المصرية؟، فهي تطرقت لكل أنواع الدراما ما عدا الخيال العلمي والفنتازيا والأكشن المثيرة والمكلفة، وغطت معظم الموضوعات الإنسانية والاجتماعية، وكانت ولا زالت في متناول المشاهد العربي والعالمي، ناهيك عن خصائصها البيئية والثقافية، المتمثلة في اللهجة والعادات والموروثات السيسيوثقافية، والتي أصبح كل فرد عربي ملمّاً بها ويعرفها وتشكل جزءاً من هويته العربية.
*ما هي الرسالة والهدف الرئيسي للكتاب؟
الهدف ذكرته في مقدمة الكتاب، وهو التعرف على الأفلام المصرية والاستمتاع بها واستحسان ما هو حسن ومعرفة ما هو رديء، وهو هدف معرفي صرف يقود إلى وعي وتنوير، ورسالة الكتاب الضمنية تتمثل في دعوة للتوقف عن الاستنساخ في كل العالم العربي، فتاريخنا العربي وثقافتنا ومقدراتنا الحضارية، وخصائصنا تحمل مئات؛ بل آلاف الموضوعات والقصص التي يمكن أن تحقق سينما رصينة، وكما ستلاحظ أن منهج الكتاب هو الموضوعية الخالصة.
*ذكرت في كتابك أن الاستنساخ هو الطابع السائد في السينما المصرية.. كيف خلصت إلى هذه النتيجة؟
نعم هذه حقيقة دامغة وماثلة، فعدد من النقاد المصريين المعتبرين الذين أجروا إحصاءات علمية وجدوا أن الاستنساخ يمثل الرقم الأعلى في الإنتاج السينمائي المصري، من هؤلاء النقاد الباحث المرموق محمود قاسم، وأنا شخصياً خلصت إلى هذه النتيجة من المشاهدات التي استمرت معي طوال حياتي، وتركزت في الست سنوات الأخيرة التي عكفت فيها على مشاهدة ومقارنة الأفلام المصرية بالأصول الغربية، وشاهدت ما يزيد عن ألف فيلم مصري أصيل ومستنسخ، وكذلك أصيل غربي.
*ما هي الأدوات التي استخدمتها لفحص محتوى السينما المصرية خاصة أنها تحوي مئات الأفلام على مدار عدة عقود وهل استعنت بدراسات سابقة أو شهادات لأشخاص خلصوا لنفس النتيجة؟
ليست هناك أدوات سوى المشاهدة والمشاهدة المتأنية، ثم الوقوف على تشريح العناصر الفيلمية المستنسخة، مثل القصص، والحبكات الدرامية، والحوارات، وطرق الأداء التمثيلي، ناهيك عن استنساخ الموسيقى والملصقات (البوسترات)، وقد اعتمدت في مشاهداتي على مسح زمني شامل لكل ما أنتج عبر العقود الماضية، وكنت أحياناً أجد صعوبة في مشاهدة فيلم ما ولا أجده بسهولة، ولذلك بذلت قصارى جهدي في إمكانية مشاهدة ما هو غير متاح في المنصات العامة.
*ذكرت بعض أسماء الرموز الفنية وأشرت إلى أنها رموز الاستنساخ مثل عادل إمام وأحمد حلمي ويوسف شاهين.. ألا ترى أن ذلك اتهاماً واضحاً بالسرقة أم أن هناك فرقاً بينها وبين الاستنساخ كإجراء فني يتبعه البعض في أعمالهم؟
لا أحبذ أن أسميها سرقة، رغم أن هناك نقاداً مصريين أطلقوا بالفعل عليها أفلام مسروقة، والبعض الآخر أطلق عليها أفلام مقتبسة، غير أني لا أحبذ هذين الوصفين، لأن فعل السرقة يكبل الطرف المسروق ضرر وخسارة، والاقتباس يعني جزءاً من كل، يحيل إلى ضعف المورد الإبداعي، غير أن الاستنساخ أو الاقتباس لا يلحقان الضرر بالأصل أو بالجهة المنتجة، ومشكلة الصحافة والإعلام العربي العام والمصري على وجه الخصوص أنه جعل هناك قداسة وحرمة لأسماء السينمائيين المصريين المشهورين، وهذه القداسة في حد ذاتها تزييف وتبجيل مصنوع، ينبغي أن نكون موضوعيين دائماً، وأنا أرى أنه لا فنان فوق النقد الموضوعي.
*أبو السعود الإبياري أحد رموز الكتابة الكوميدية بالسينما المصرية.. هل ترى بالفعل أنه اعتمد على تمصير سيناريوهاته وأفكاره فقط؟
أبو السعود الإبياري هو أبو الاستنساخ من السينما الغربية، ولكنه أيضاً أبدع وابتكر وأمتع الجماهير العربية، ولا يمكن وصفه بأنه سارق آثم، هو مستنسخ محترف، يعمل على تمصير ما يستنسخه، وفي نفس الوقت يضع النكهة المصرية بالروح المصرية العذبة، ولك أن تلاحظ أن كتابي ليس محاكمة ولا يتعمد الانتقاص من السينما المصرية عموماً ومن صناعها، وهو كما قلت لك كتاب حب ومعرفة ومتعة، فلو لم أحب السينما المصرية لما بذلت هذا الجهد وهذا الوقت في المشاهدة والتفكير والكتابة.
*ما هي أفضل عشرة أفلام مصرية من وجهة نظرك؟
أكون منصفاً لو اخترت عشرة أفلام وقلت إنها الأفضل، فهذا كلام أرعن، ولكن انتبه إلى أنه حدث عدة مرات أن أقامت جهات مصرية وعربية استفتاءات لعدد كبير من النقاد والباحثين والأكاديميين، ونشرت نتيجة الاستفتاءات كأفضل مائة فيلم مصري.
*على ذكر أسماء عادل إمام وأحمد حلمي ويوسف شاهين ما هي أفضل أعمالهم؟
أنا ضربتهم مثالاً فقط في كتابي، وسأجيبك بغير تفكير كثير، فأفضل فيلم لعادل إمام من وجهة نظري “الحريف”، ولأحمد حلمي “عسل أسود”، ويوسف شاهين فيلم “الأرض”.
*هل السينما المصرية تطورت خلال العشرين عاماً الماضية أم لم تستفد من النقلة النوعية في التصوير والإخراج والتقنيات والقصص الإنسانية والاجتماعية الحديثة؟
نعم تطورت كثيراً، في توظيف التقنيات السردية وتناول الموضوعات وأساليب الإخراج، وأيضاً في سرد التفاصيل وتأليف الحوارات. نعم تطورت، لدرجة أن بعض الأفلام المنتجة اقتربت كثيراً من الرقي، ولكن رغم هذا التطور يركن بعض المخرجين والمنتجين إلى اجترار موضوعات مكررة، مثل ما حدث مؤخراً مع فيلم “القصص”، هذا الأمر يحيل إلى تخلف وليس الى تطور.
*هل الذكاء الاصطناعي من الممكن أن يؤثر سلباً على السينما أم ممكن الاستفادة منه بشكل أفضل؟
ممكن الاستفادة منه، ولكن أين يصل الاعتراف بتوظيفات الذكاء الاصطناعي، الأمر محل جدل عالمي، ولا ننسى أن السينما بنيت على الدراما، أي صنع كل شيء بما يقارب الواقع، خصوصاً في المؤثرات البصرية والسمعية، وتصميم وبناء الخدع السينمائية المقدرة التي أفنى فيها المختصون حياتهم حتى يوظفوها في الأفلام، هل بجلسة على جهاز اللاب توب تصنع ما يمكن تقديره واعتباره بأنه عمل سينمائي؟
*إذا عدنا إلى الكتاب.. هل تخصيص فصل واحد فقط في الكتاب لذكر إنجازات السينما المصرية كافياً في إنصافها من وجهة نظركم؟
لم أقم بتأليف كتابي لإنصاف السينما المصرية، الكتاب له مهمة محددة، كانت شاغلي، وقد ذكرتها لك في بداية الحوار، هناك عشرات الكتب التي أنصفت وقيمت السينما المصرية، وأرفض إيهام القارئ بأني لم أنصف السينما المصرية أو أني كنت قاسياً عليها، أتمنى أن تصلك حقيقة ما بين السطور في كتابي، لتقف على حقيقة واضحة أنه كتاب حب ومعرفة.
*إذا كانت السينما المصرية بنت نجاحاتها على النقل والاستنساخ لماذا لا نرى تجارب أخرى بالوطن العربي تتفوق عليها؟
نعم، هذا سؤال مهم، وسبق أن قلت لأنها سينما ثرية أثرت حياة الشعوب العربية جيلاً بعد جيل، ولم تصل أي سينما عربية إلى هذا المستوى.
*كيف كانت ردود الأفعال حول الكتاب من النقاد والمبدعين؟
الحقيقة كانت ردود أفعال مذهلة في استحسانها وتقديرها للكتاب، وقد كتب عدة نقاد مهمين عن استحسانهم للكتاب، ونقل أكثر من عشرة صحافيين مصريين خبر وتقديم للكتاب، والناقد المصري عموماً ناقد نزيه وذكي وصادق، ولا تخدعه عبارات الوطنية الجوفاء أو التطاول الأجوف، ويعرف كيف يفرق بين ما هو موضوعي وبين ما له أغراض نفعية مدفوعة الثمن، وهم لمسوا صدق محبتي للسينما والثقافة المصرية عموماً، لذلك فرحوا بالكتاب.
*هل تخوفت من ردود أفعال المبدعين المصريين حول الكتاب؟
لا، أبداً لأني أعرف يقيناً صدق ثقافتهم وموضوعية نظرتهم وأحكامهم.
*بماذا تصف السينما المصرية في جملة واحدة؟
هي السينما التي أثرت في حياة الشعوب العربية وثقافتهم.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : القاهرة: خالد الكردي ![]()
معرف النشر: MISC-211026-59

