عززت الاحتياطيات المالية وتنويع مسارات التصدير وسلاسل الإمداد والاستثمارات الاستراتيجية قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية والحد من انعكاساتها على الأسواق المحلية، بحسب أربعة خبراء اقتصاديين تحدثوا لـ”الاقتصادية”.
وأكدوا أن متانة المؤشرات الاقتصادية، إلى جانب الإصلاحات الهيكلية وتنويع مصادر الدخل وتطوير البنية التحتية، أسهمت في زيادة قدرة المملكة على امتصاص الصدمات الخارجية، مع التحذير من ضرورة متابعة الآثار المتأخرة للأزمات، لا سيما على المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتدفقات النقدية وتكاليف التمويل والقدرة الشرائية.
أوضح الدكتور إحسان علي بوحليقة، الخبير الاقتصادي ومؤسس مركز جواثا الاستشاري، أن الاقتصاد السعودي يتمتع بأربع مستويات من المرونة التي تعزز قدرته على مواجهة الصدمات والتحديات الجيوسياسية. شملت هذه المستويات تنوع منافذ التصدير ومسارات الإمداد، وتوافر الاحتياطيات الخارجية والودائع الحكومية والقدرة على الاقتراض، ومرونة السياسة المالية في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية، إضافة إلى الاستثمارات الاستراتيجية ضمن رؤية 2030 الرامية إلى تعزيز القدرات اللوجستية.
وأشار بوحليقة إلى أن الاقتصاد السعودي سجّل نمواً حقيقياً بنسبة 4.5% خلال 2025، مدعومًا بنمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9%، فيما استقر التضخم قرب 2%. وأضاف أن هذه المؤشرات تُبرز قدرة الاقتصاد على الحد من تداعيات الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية مقارنة بعدد من اقتصادات المنطقة، مستشهداً بتوقعات نمو إيجابية للاقتصاد السعودي في 2027 وفق أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي.
وبيّن بوحليقة أن الاحتياطيات الخارجية بلغت نحو 487 مليار دولار في أغسطس 2026، بينما ظل الدين العام عند نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ما يوفر هامشاً مالياً يساعد على امتصاص الصدمات. كما سجّل الحساب الجاري فائضاً بنحو 15.4 مليار ريال خلال الربع الأول من 2026. وأكد أن هذه المقومات تسهم في احتواء تداعيات الأزمات الإقليمية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ومواصلة الإنفاق التنموي والاجتماعي.
من جانبه، أوضح المهندس خالد الغامدي، خبير سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، أن السعودية عملت على بناء منظومة متكاملة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وحماية الأمن الغذائي والدوائي، لمواجهة الاضطرابات الجيوسياسية وتحديات النقل البحري وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الخام. وشملت الإجراءات تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير البنية التحتية اللوجستية والمخزونات الاستراتيجية في إطار مستهدفات رؤية 2030.
وذكر الغامدي أن المملكة عززت أمنها الغذائي عبر تطوير قدرات تخزين الحبوب وتشغيل الصوامع والمطاحن وتنويع مصادر الإمداد، مشيراً إلى أن الطاقة التخزينية تبلغ 30 مليون طن، مع وجود أربع شركات مطاحن معتمدة، و51 شركة استيراد معتمدة، وثلاثة مستثمرين سعوديين في الخارج. وفي القطاع الصحي أشار إلى تشديد الرقابة على توافر الأدوية والمستلزمات الطبية وتطوير الصناعة الدوائية المحلية، مبيّناً وجود 8,870 دواءً بشرياً معتمداً وأكثر من 26,718 منشأة صحية مرخّصة، إلى جانب دور الشركة الوطنية للشراء الموحد “نوبكو” في رفع كفاءة المشتريات والإمداد والتوزيع في القطاع الصحي الحكومي.
وأضاف الغامدي أن توطين الصناعات الغذائية والدوائية والطبية يقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية، مشيراً إلى أن عدد المنشآت الصناعية بلغ نحو 14 ألف مصنع. كما لفت إلى أن تنويع الموردين ومسارات النقل، وتطوير آليات إدارة المخاطر، والتحول الرقمي في متابعة المخزونات والتنبؤ بالطلب تمثل عوامل رئيسية لضمان استمرارية تدفق السلع، خاصة المنتجات الحيوية التي يصعب استبدالها بسرعة.
وأكد أن التجربة السعودية في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد ترتكز على خمسة محاور رئيسية تشمل التكامل الحكومي، والأمن الغذائي والصحي، وتكامل القدرات اللوجستية، وتوطين الصناعات وتنويع مصادر التوريد، والمرونة التشغيلية، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة الأزمات العالمية وضمان استدامة الإمدادات في الظروف الاستثنائية.
من جانبه، قال المستشار الاقتصادي سلطان الخالدي، المدير التنفيذي لشركة رسملة الحوكمة للاستشارات، إن المملكة لم تكن بمنأى عن المخاطر الجيوسياسية، لكنها نجحت في الحد من انتقال تداعياتها إلى الاقتصاد المحلي بفضل الاستثمارات الاستراتيجية السابقة في البنية التحتية للطاقة والنقل، وتوافر الهوامش المالية والنقدية، وتطوير سلاسل الإمداد، فضلاً عن الإصلاحات التي وسعت قاعدة النشاط غير النفطي.
وأشار الخالدي إلى أهمية البعد الزمني في تقييم قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات، موضحاً أن المرونة الظاهرة اليوم غالباً ما تكون ثمرة استثمارات وإجراءات وقائية نُفذت قبل وقوع الأزمات بسنوات، من بينها تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط. وأضاف أن نجاح السياسات النقدية والمالية في ظل الأزمات لا يُقاس بمعدل التضخم وحده، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على ضمان استمرار الإمدادات والحفاظ على الثقة والاستقرار المالي، وتقليل خسائر الإنتاج والتجارة ومنع تحول الصدمات الخارجية إلى أزمة داخلية أوسع.
ومع ذلك، شدد الخالدي على أن استدامة الاستقرار الاقتصادي تتطلب رصد الآثار المتأخرة للأزمات على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والتدفقات النقدية، وتكلفة التمويل، والقدرة الشرائية.
من جهته، قال المحلل الاقتصادي محمد العمران إن تعزيز الأمن الغذائي يعد من أبرز العوامل التي ساهمت في رفع مرونة الاقتصاد السعودي خلال الأزمات، وذلك عبر بناء مخزونات استراتيجية من المواد الغذائية وتنويع مصادر توريدها محلياً وخارجياً ضمن خطط لإدارة الأزمات تستند إلى الاستعداد المسبق وتعدد البدائل.
وأضاف العمران أن هذه الإجراءات ساعدت في استمرار توفر السلع الأساسية في مختلف مناطق المملكة دون انعكاسات ملحوظة على أسعارها، رغم التحديات الجيوسياسية في المنطقة وما أحدثته من تأثيرات محدودة في انسيابية سلاسل الإمداد عبر موانئ المملكة ومطاراتها. وأشار إلى أن استقرار معدلات التضخم عند مستويات منخفضة مقارنة بالفترات السابقة للأزمة، مع تسجيل انخفاض نسبي في بعض القطاعات الداخلة في احتساب المؤشر، يعكس قدرة منظومة الإمداد على الحد من انتقال الضغوط الخارجية إلى الأسعار المحلية.
وأكد العمران أن استمرار توفر السلع واستقرار أسعارها يتطلب مواصلة العمل بالخطط الاستراتيجية القائمة، والاستفادة من تجارب المملكة السابقة في إدارة الأزمات مثل جائحة كوفيد-19، والتي أبرزت أهمية التخطيط المسبق وتنويع مصادر الإمداد ورفع الجاهزية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 10
المصدر الرئيسي : أمل الحمدي ![]()
معرف النشر: ECON-261026-532

