أكد مختصون أن لغة الإشارة تمثل ركيزة أساسية للتواصل الفعّال مع الصم وضعاف السمع، ووسيلة حقيقية لتحقيق الدمج الشامل لهذه الفئة الغالية في المجتمع. وأشاروا إلى أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي تمثل فرصة كبيرة لتطوير خدمات الترجمة الفورية وتعزيز استقلالية الصم وضمان مشاركتهم في الفعاليات الوطنية والإعلامية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي وضعت الشمولية والعدالة الاجتماعية في صميم برامجها.
وأوضحوا في حديثهم أن رغم ما تحقق من منجزات وطنية رائدة في هذا المجال، إلا أن هناك تحديات ما زالت قائمة، أبرزها قلة الكوادر المؤهلة وضعف الوعي المجتمعي وغياب التنسيق المؤسسي.
وقال خبير لغة الإشارة ورئيس مجلس إدارة جمعية مترجمي لغة الإشارة بالمملكة، خالد بن سليمان الذكير: “إن نقص الوعي المجتمعي بأهمية لغة الإشارة يمثل واحدًا من أكبر التحديات، حيث ما زال الكثيرون لا يدركون أنها لغة قائمة بذاتها كغيرها من اللغات العالمية، ولها قواعدها وبنيتها الخاصة”. وأضاف أنه “قلة المترجمين المؤهلين مقارنة بعدد الصم في المملكة وضعف أو انعدام المحتوى الإعلامي الموجه لهذه الفئة يمثلان فجوة يجب العمل على سدها سريعًا”.
وأوضح الذكير أن التقنيات الحديثة ساعدت بشكل ملموس في تخفيف معاناة الصم، عبر خدمات الفيديو عن بُعد التي تتيح التواصل مع مترجمي لغة الإشارة في أي وقت، إضافة إلى تطبيقات الهواتف الذكية التي توفر قواميس ومحادثات تعليمية مثل تطبيق “إشارتي” الذي طورته جمعية مترجمي لغة الإشارة. وتوقع أن تشهد السنوات القادمة تطورًا ملحوظًا في هذا المجال وزيادة الوعي بأهمية دمج هذه اللغة في مختلف القطاعات.
وأضاف أن تعزيز دمج لغة الإشارة في الفعاليات الوطنية يتطلب خطوات عملية، منها: إشراك الصم أنفسهم في التنظيم لضمان تلبية احتياجاتهم، إلزام الجهات المنظمة بتوفير مترجمين في جميع المناسبات الرسمية، تخصيص يوم خاص عن لغة الإشارة ضمن برامج وزارة التعليم، التنسيق مع وزارة الإعلام لظهور مترجمي لغة الإشارة بشكل دائم في البرامج التلفزيونية، وتفعيل تقنيات الترجمة الفورية في الفعاليات العامة.
من جهتها، أوضحت د. لجين محمود سندي، أستاذ التربية الخاصة المساعد وخبيرة لغة الإشارة، أن لغة الإشارة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جسر للدمج والتمكين، وانتشارها في المجتمع ممكن وسهل، لكنه يرتبط مباشرة بمدى وعي المؤسسات والأفراد بأهميتها. وأشارت إلى أن المعوقات الرئيسية تتمثل في محدودية البرامج التدريبية المتخصصة، وندرة الكوادر المؤهلة، وضعف استدامة إدراج لغة الإشارة ضمن السياسات الرسمية.
وأكدت سندي أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي تمثل فرصة كبيرة لتطوير أنظمة الترجمة الفورية، وضمان وصول متكافئ للمحتوى التعليمي والإعلامي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة لذوي الإعاقة السمعية. وشددت على أن دمج لغة الإشارة في الفعاليات الوطنية يتطلب إجراءات عملية تشمل توفير مترجمين معتمدين، تكثيف الحملات التوعوية، وتشجيع المجتمع على تعلم أساسياتها كجزء من ثقافة الشمولية.
بدورها، شددت د. سارة محمد البوزيد، المتخصصة في تعليم الصم وضعاف السمع، على أن المملكة حققت إنجازات رائدة بفضل دعم القيادة الرشيدة، أبرزها تمكين الأشخاص الصم وضعاف السمع من التعليم الجامعي وضمان وصولهم للمعلومات والاتصالات وفق المعايير الدولية، انسجامًا مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ورغم هذه المنجزات، قالت البوزيد إن لغة الإشارة السعودية تواجه في التعليم والإعلام تحديات بارزة، منها قصور السياسات الملزمة، وضعف التنسيق المؤسسي، وغياب المناهج الدراسية المتخصصة، وقلة الموارد التعليمية والتقنية، فضلًا عن ضعف برامج التطوير المهني للعاملين في هذا المجال.
وأشارت إلى أن دراسة علمية أجرتها مؤخرًا بالتعاون مع تركستاني على 346 معلمًا ومعلمة، كشفت عن غياب التنسيق في التخطيط للغة الإشارة بين إدارات التعليم، ونقص أدوات التقييم الرسمية وآليات متابعة التقدم.
وأكدت أن إنشاء قاعدة بيانات وطنية للغة الإشارة السعودية هو الخطوة الأولى لتوظيف الذكاء الاصطناعي بفاعلية، حيث تسهم البيانات الضخمة في تحسين دقة الخوارزميات وتطوير معاجم رقمية متخصصة وتطبيقات ذكية تدعم حضور هذه اللغة في التعليم والإعلام.
وأشادت بأن دمج لغة الإشارة في الفعاليات الوطنية التزام نظامي لا خيارًا تكميليًا، حيث نصت المادة (12) من نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على ضرورة مراعاة متطلباتهم عند تصميم وتنفيذ الأنشطة والبرامج والفعاليات.
وأكدت أن هذا يتطلب إلزام الجهات بتوفير مترجمين، والتخطيط المسبق لإدماج اللغة، والتدريب المستمر للكوادر، إضافة إلى توظيف التقنية الحديثة والمتابعة الدورية.
أما مشاعل العبيد، عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود والمتخصصة في الإعاقة السمعية، فأشارت إلى أن قلة المترجمين المتخصصين، وضعف الوعي المجتمعي، ومحدودية البرامج التدريبية، كلها عوامل تؤثر سلبًا على فرص تمكين الصم وضعاف السمع من المشاركة الكاملة في التعليم والإعلام.
وأضافت أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي تمثل أداة واعدة لتطوير تطبيقات الترجمة الفورية، بما يسهّل وصول المحتوى الأكاديمي والإعلامي ويعزز استقلالية الصم، ويسمح لهم بالتفاعل مع محيطهم بشكل أفضل.
وأكدت أن إدراج لغة الإشارة بشكل رسمي في الفعاليات الوطنية والمناسبات العامة خطوة لا غنى عنها لضمان الدمج المستدام لهذه الفئة. واختتمت العبيد قائلة: “لا يكتمل هذا المسار إلا بالاستثمار في تأهيل الكوادر الوطنية المتخصصة، فتمكين الصم مسؤولية مشتركة بين المجتمع والمؤسسات، وتكامل الجهود وحده كفيل بتحقيق الأثر المنشود”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 0
المصدر الرئيسي : عبدالعزيز العمري – جدة
معرف النشر: SA-230925-316

