السعودية

عميد علوم الأرض بجامعة المؤسس في حوار لـ”اليوم”: تأثير بركان إثيوبيا على الجزيرة العربية محدود لكنه وارد

F2008062 3b77 4200 9832 a1d970963b7d file.jpg

كشف عميد كلية علوم الأرض – أمين عام مجلس جامعة الملك عبدالعزيز أ.د. بدر بن عبده حكمي أن ثوران بركان هايلي غوبي في إقليم عفر شمال إثيوبيا فجر 23 نوفمبر 2025 يُعد من أهم الأحداث الجيولوجية التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي خلال العقود الأخيرة.

وأكد أن الأهمية هنا تكمن في ارتباط البركان المباشر بعمليات تصدّع الصفيحة الإفريقية وتفاعلها مع الدرع النوبي عند ملتقى الصدوع الكبرى في شرق إفريقيا، وما يحمله ذلك من مؤشرات حول مستقبل النشاط البركاني في المنطقة، وظهور بيانات جديدة تعكس تسارع تمدد القشرة وحدوث انفصال قاري متواصل يمكن رصده في الزمن الحاضر.

وأوضح في حوار خاص لـ “اليوم” أن الثوران – رغم كون البركان من النوع الدرعي المعروف بثوراناته الهادئة – جاء هذه المرة بطبيعة انفجارية مفاجئة بسبب تفاعل المياه الجوفية مع الصهارة وارتفاع الضغط وتراكم الغازات، ما أدى إلى أعمدة رماد تجاوزت عشرة كيلومترات في الغلاف الجوي، وانتشار سحب كبريتية نحو البحر الأحمر.

وأكد أن التأثيرات المحتملة على الجزيرة العربية محدودة لكنها واردة في حال استمرار النشاط، خصوصًا على حركة الطيران التي تُعد الأكثر حساسية في مثل هذه الثورانات، مع توقع آثار بيئية وزراعية محلية في منطقة عفر تُعد من أكثر المناطق هشاشة أمام الكوارث الطبيعية.

شهدت منطقة القرن الإفريقي فجر يوم 23 نوفمبر 2025 حدثًا جيولوجيًا لافتًا تمثل في ثوران بركان هايلي غوبي الواقع في إقليم عفر بشمال إثيوبيا، وهي منطقة نشطة جيولوجيًا بحكم وقوعها عند ملتقى الأنظمة التكتونية الكبرى في شرق إفريقيا.

وأثار هذا الثوران اهتمام الأوساط العلمية والإعلامية لما حمله من مؤشرات مهمة حول مستقبل النشاط البركاني في المنطقة، وعلاقته المباشرة بالبنية التكتونية للصفيحة الإفريقية والدرع النوبي، فضلًا عن تأثيراته الجوية والبيئية المحتملة على دول الجزيرة العربية.

يقع بركان هايلي غوبي في الطرف الشرقي من الصدع الإفريقي الشرقي ضمن منطقة عفر، وهي واحدة من المناطق النادرة على سطح الأرض التي تكشف بوضوح عن عملية انفصال القارات في الزمن الحاضر.

وتمثل منطقة عفر نقطة التقاء ثلاث نظم تكتونية رئيسية: الصدع الإفريقي الشرقي، والصدع الإفريقي الغربي، ونظام الصدع البحر الأحمر. وتظهر المنطقة منذ عقود علامات تمدد وتفكك في القشرة الأرضية.

تُظهر القياسات الجيولوجية والجيوفيزيائية أن منطقة عفر تشهد حركة انفتاح بطيئة تتراوح بين 2 و3 سنتيمترات سنويًا، ما يجعلها إحدى المناطق المرشحة مستقبلاً لأن تصبح ممرًا بحريًا جديدًا يمتد من البحر الأحمر إلى داخل القرن الإفريقي.

وهذا الانفتاح يعكس بوضوح عملية تفكك القارة الإفريقية في الزمن الجيولوجي الحالي.

البركان يقع ضمن نطاق الصفيحة الإفريقية المتصدعة، وبالتحديد في المنطقة المرتبطة بالدرع النوبي، وهو أحد المكونات الأساسية للصفيحة الإفريقية.

ويتميز هذا الدرع ببنية صخرية قديمة تعود إلى ما قبل الانفجار الكامبري، لكنه يتفاعل حاليًا مع قوى الشد والانفصال الناتجة عن الصدع الشرقي، ما يؤدي إلى نشاط زلزالي وبركاني مستمر ومتزايد.

رغم أن بركان هايلي غوبي يصنف جيولوجيًا كبركان درعي، وهي عادة براكين تنتج ثورانات هادئة، إلا أن الثوران الحالي جاء بطبيعة انفجارية واضحة.

فقد رُصدت أعمدة رماد وصلت لأكثر من عشرة كيلومترات في الغلاف الجوي، إلى جانب أصوات انفجارات سُمعت لمسافات بعيدة وظهور موجات صدمية. وتعود هذه الطبيعة الانفجارية إلى عدة عوامل: تفاعل مفاجئ بين مياه جوفية والصهارة الصاعدة، وارتفاع الضغط داخل حجرة الصهارة نتيجة تراكم الغازات البركانية، إضافة إلى تركيب صهاري يحتوي على نسبة سيليكا أعلى من المعتاد للبراكين الدرعية.

أطلق الثوران مزيجًا من المواد البركانية شملت الرماد البركاني والغازات الكبريتية وبخار الماء وشظايا الصخر البركاني وكميات محدودة من الحمم اللزجة.

ويعد الرماد البركاني أكثر المواد تأثيرًا على المدى القريب. وأظهرت صور الأقمار الصناعية تحرك سحب الرماد باتجاه الشمال الشرقي نحو البحر الأحمر، بينما سجلت أقمار مراقبة الغلاف الجوي انتشارًا لغازات كبريتية في الاتجاه ذاته.

تشير النماذج المناخية المبكرة إلى أن تأثيرات هذا الثوران على الجزيرة العربية تبقى محدودة لكنها محتملة، خصوصًا في حال استمرار النشاط لعدة أيام. فمن المتوقع أن تصل كميات خفيفة من الغازات الكبريتية والرماد الدقيق إلى جنوب غرب المملكة وجنوب البحر الأحمر وبعض مناطق اليمن، وقد يلاحظ السكان زيادة طفيفة في الملوثات الجوية أو عتامة بسيطة في الأجواء في حال ارتفاع نسبة الرطوبة.

تشكل حركة الطيران أكثر الجوانب حساسية، نظرًا لخطورة الرماد البركاني على المحركات النفاثة، وهو ما دفع بعض الرحلات الدولية بالفعل إلى تغيير مساراتها فوق القرن الإفريقي. أما على المستوى المناخي، فقد يؤدي الثوران إلى انخفاض طفيف ومؤقت في درجات الحرارة في المناطق التي تتأثر بكثافة أعلى من الرماد، رغم أن هذا التأثير يظل محدودًا ما لم يستمر الثوران لفترة طويلة أو تزداد حدته.

يتوقع أن تترك الحادثة آثارًا متعددة في منطقة عفر، تشمل تضرر بعض المناطق الزراعية بفعل تراكم الرماد، وتعطل حركة النقل في بعض الطرق البرية، واحتمال حدوث انبعاثات بركانية لاحقة، بالإضافة إلى تسجيل هزات أرضية ارتدادية نتيجة تصريف الضغط في القشرة، وحدوث تغيرات موضعية في التضاريس والنتوءات البركانية. وتجدر الإشارة إلى أن منطقة عفر من أكثر المناطق فقرًا في إثيوبيا، مما يجعل تأثير الكوارث الطبيعية أكثر حدة على السكان والبنية التحتية.

يمثل ثوران هايلي غوبي فرصة علمية مهمة لفهم عمليات تصدع القشرة الأرضية الحية، خصوصًا في منطقة عفر التي تعد واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي يمكن فيها رصد ظاهرة انفصال القارات بشكل مباشر. ويضيف هذا الثوران بيانات جديدة حول سرعة تمدد الصدع وطبيعة الصهارة الصاعدة وأنواع البراكين المحتملة مستقبلًا وحجم المخاطر الجيولوجية في المنطقة.

كما يساعد فهم هذا النشاط دول البحر الأحمر بما فيها المملكة العربية السعودية على تحسين تقييم المخاطر الجيولوجية ومراقبة النشاط البركاني تحت البحر الأحمر وجنوب المملكة. وفي نهاية المطاف فإن ثوران بركان هايلي غوبي لا يمثل مجرد حدث محلي، بل هو جزء من مشهد جيولوجي أوسع يرتبط بتفكك الصفيحة الإفريقية وحركة الدرع النوبي والنشاط التكتوني المتزايد في شرق إفريقيا، ورغم أن التأثيرات المباشرة على الجزيرة العربية تبدو محدودة، إلا أن متابعة هذا الحدث تظل ضرورية لفهم ديناميكيات الأرض في واحدة من أكثر المناطق تغيرًا على سطح الكوكب.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : حوار – عبدالعزيز العمري
معرف النشر: SA-251125-70

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 40 ثانية قراءة