العجز يتسع .. هل ترضي أوروبا الصين على حساب ميزتها الاستراتيجية؟
مع اتساع العجز التجاري الأوروبي مع الصين بشكل متسارع، يعتقد محللون أن أمام أوروبا خيارات محدودة لتحقيق توازن سريع. بالرغم من احتفاظ أوروبا بتفوق نسبي في قطاعات رئيسية كالصناعات الدوائية والآلات والمكونات الصناعية.
أفادت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” بأن الفائض التجاري العالمي للصين سجل مستوى قياسياً بلغ 1.076 تريليون دولار خلال الأشهر الـ 11 الأولى من العام، رغم تراجع صادراتها إلى الولايات المتحدة جراء فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسوماً جمركية مرتفعة. وقد توجهت نسبة كبيرة من هذه الصادرات نحو الاتحاد الأوروبي، مما زاد من الضغوط بعد أن بلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين 305 مليارات يورو العام الماضي، أي قبل اندلاع الحرب الجمركية.
تفاقم الاختلالات في موازين التجارة
قال جاكوب جونتر، كبير محللي الأبحاث الاقتصادية في معهد “ميركاتور” للدراسات الصينية في برلين: “ستتفاقم الاختلالات في موازين التجارة”. وأكد أن أوروبا لا تزال تصدر السلع الأولية والمنتجات الزراعية والخدمات إلى الصين، ولكن قوتها التقليدية في صادرات السلع الصناعية تدهورت بسرعة.
أثر الفائض التجاري الصيني القياسي على الوضع السياسي في أوروبا، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مقال لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، إلى ضرورة إعادة التوازن في التجارة مع الصين بشكل عاجل، مؤكدًا على أن الوضع الحالي غير مستدام للطرفين، ودعا بكين لتعزيز الاستهلاك المحلي.
بيد أن بعض الصادرات الأوروبية التقليدية، مثل السيارات، بدأت تفقد جاذبيتها في السوق الصينية مع صعود المنافسين المحليين. وبينما كانت السيارات من بين أهم 10 صادرات أوروبية إلى الصين في العام الماضي، اختفى منها نوعان فقط خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام، وجاءت في مراتب متدنية وفق بيانات الجمارك الصينية.
معضلة التوافق في التصدير
يعتقد محللون أن المشكلة ليست فقط في حجم العجز، بل أيضًا في عدم توافق ما ترغب الصين في استيراده مع ما تود أوروبا تصديره. حيث أبدت بكين استعدادها لإعادة التوازن التجاري، مشددة على أولوياتها في شراء المنتجات الأوروبية عالية التكنولوجيا. وأشار دنج لي، السفير الصيني لدى فرنسا، في مقابلة مع صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” إلى آلات الطباعة الحجرية المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية كسلعة يمكن أن تحقق مبيعات أكبر في الصين.
خلال زيارة ماكرون إلى الصين في مطلع الشهر، طرح فكرة المقايضة: رفع القيود الأوروبية المفروضة على تصدير آلات الطباعة الحجرية مقابل رفع الصين للقيود المفروضة على العناصر الأرضية النادرة.
التضحيات طويلة الأمد
لكن جونتر حذر من أن تصدير هذه التكنولوجيا كحل للعجز قد يكون خطوة قصيرة النظر، لأنها قد تعني التضحية بميزة استراتيجية طويلة الأمد تتمتع بها أوروبا. وأي اتفاقية من هذا القبيل ستحتاج إلى موافقات سياسية معقدة، ولا سيما من هولندا والولايات المتحدة.
هولندا صدرت آلات طباعة حجرية إلى الصين بقيمة 6.8 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام، مما يجعلها أكبر مصدر من الاتحاد الأوروبي إلى الصين للعام الثاني على التوالي.
تظل شركة “أيه إس إم إل” الهولندية، أكبر مورد عالمي لمعدات تصنيع الرقائق، تبيع للصين منتجات متأخرة تكنولوجيًا بأكثر من 10 سنوات مقارنة بأسواق الغرب. وحذر كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي للشركة، من أن تقييد التصدير إلى الصين قد يدفعها لتطوير بدائل محلية، مما يهدد التجارة مستقبلًا.
في قطاعات أخرى مثل الصناعات الدوائية، تتفوق أوروبا تكنولوجياً، وترى فرصة مع شيخوخة السكان في الصين. فقد احتلت الأدوية 3 مراكز في قائمة أكبر 10 صادرات أوروبية إلى الصين هذا العام، متجاوزة السيارات. إلا أن قيود الوصول إلى السوق وتفضيل المنتجات المحلية وارتفاع الأسعار تحد من الطلب على الأدوية الأوروبية.
أيضًا، تشكل ارتفاع الأسعار مشكلة أخرى تواجه الشركات الأوروبية المصنعة للآلات المتقدمة في الصين. الشركات الصينية تستطيع إنتاج معدات صناعية تصل إلى 80% من أداء نظيراتها الأوروبية، لكن بتكلفة أقل بكثير. ويرى محللون أن عدم قدرة الشركات الأوروبية على التكيف مع متطلبات الأسعار في السوق الصينية قد يؤدي إلى فقدان حصتها على المدى الطويل.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-191225-523

