منوعات

قفزة الحوسبة الكمية الكبرى تشعل سباق مراكز البيانات حول العالم

98d572b9 5437 416d 97b3 70f4f08350d9 file.jpg

بعد عقود ظلت فيها الحوسبة الكمية حبيسة المختبرات والأبحاث، تبدو هذه التقنية اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى انفجارٍ تجاري قد يفاجئ أسواق المال. التقنية المعتمدة على مبادئ ميكانيكا الكم قادرة على حل مسائل تعجز أمام أقوى الحواسيب التقليدية، ومع تسارع الاستثمارات وزيادة وتيرة التطوير باتت الصناعة تقترب من مرحلة تطبيقية فعلية، مع نقاش واسع حول كيفية دمج هذه الحواسيب داخل مراكز البيانات المتقدمة.

تعتمد الحواسيب التقليدية على البتات التي تكون إما في حالة تشغيل أو إطفاء، بينما تستند الحوسبة الكمية إلى الكيوبت الذي يمكنه البقاء في حالتين معاً عند درجات حرارة منخفضة جداً، ما يمنحه قدرة حسابية ضخمة تفوق الحواسيب التقليدية بفارق كبير. ما كشفت عنه مايكروسوفت العام الماضي من رقاقة كوانتوم باسم Majorana1 لم يعد أمراً معزولاً؛ فعمالقة الحوسبة السحابية مثل غوغل وأمازون يستثمرون مبالغ كبيرة في هذا المجال أيضاً.

قال زلفي علام، نائب رئيس مايكروسوفت لقطاع الكوانتوم، في مقابلة مع شبكة CNBC إن الشركة تتوقع وصول آلات ذات قيمة تجارية داخل مراكز البيانات قبل نهاية العقد الحالي، مشيراً إلى أن هذه الأجهزة ستؤدي حسابات لا يمكن للحواسيب التقليدية تنفيذها. ومن جهته، أوضح باتريك مورهاد، رئيس Moor Insights، أن الشركات الكبرى توسع إنفاقها عبر توفير خدمات كمومية عبر السحابة وتطوير منصات للمطورين، بينما يتقدم قطاع الدفاع في تبني هذه التكنولوجيا مبكراً.

على صعيد الحكومات تشهد الدول استثمارات ضخمة؛ فالصين تتصدرها باستثمارات عامة تقترب من 18 مليار دولار، وتليها أوروبا بفارق طفيف وفق بيانات مركز ECIPE. وتجمع أغلب الخطط الصناعية على أن الفترة بين 2028 و2032 ستكون موعوداً ببدء الدمج الفعلي للأنظمة الكمية في التطبيقات العملية، حيث تتوقع بنوك واستشارات مثل UBS ظهور الفوائد التجارية أوائل الثلاثينيات، بينما تراهن شركات عدة على أن تحقق قفزة ملحوظة في 2027.

تتضمن تقديرات UBS تقريراً مطولاً أشار إلى أن صناعة الكوانتوم تقترب من إنجاز حاسوب كمّي قادر على حل مسألة في حوالي 200 ثانية، مقابل ما قد يستغرقه أقوى حواسيب اليوم من الزمن الذي يقدر بآلاف السنين. ويشير خبراء إلى أن دخول هذه التقنية إلى مراكز البيانات قد يخفض استهلاك الطاقة بشكل كبير ويقلص الوقت المطلوب لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تقول مادلين جنكينز من UBS إن الحوسبة الكمية قد تستهلك “جزءاً بسيطاً” من الطاقة الحالية إذا تحولت مهام تستغرق آلاف الساعات إلى عمليات تمتد لثوانٍ.

من ناحية الأجهزة، أكد زلفي علام أن الأجهزة الكمية يمكن أن توفر قدرة حوسبية عالية مع انبعاث حراري منخفض، مشيراً إلى أن رقاقة Majorana1 تقدم أداءً قوياً بحجم صغير وببرودة كبيرة. ومع ذلك، يستبعد الخبراء أن يحل الكوانتوم محل الحوسبة التقليدية في الأمد القريب، ويتوقعون نموذجاً هجيناً يعمل فيه الحوسوب الكمّي بالتكامل مع الحواسب الفائقة التقليدية.

هذا التحول سيضيف فئة جديدة من البنية التحتية داخل مراكز البيانات، إذ سيتطلب احتضان الأنظمة الكمّية مساحات خاصة وأنظمة تبريد وتوريد طاقة مختلفة، بحسب مورهاد، لكنه يلفت إلى أن الطلب الأكبر سيبقى مدفوعاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي ستتكامل مع قدرات الكوانتوم. وفي الأسواق، لوحظت موجة من صفقات الاستحواذ خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما من شركات مثل IonQ، في محاولة للسيطرة على سلسلة التوريد وجذب مواهب متخصصة.

لكن الطريق أمام دمج الحوسبة الكمية في مراكز البيانات ليس سهلاً. فحتى اليوم لا يوجد سوى عدد محدود من الحواسيب الكمّية المستخدمة عملياً في المراكز، وهناك نقص في المعايير الموحدة والكفاءات البشرية القادرة على تركيب وتشغيل هذه الأنظمة، حسبما تقول إيلي براون من S&P. ومع ذلك، تتوقع براون تناغماً متزايداً بين الكوانتوم والذكاء الاصطناعي على المدى البعيد لحل مسائل فائقة التعقيد.

التحدي الأمني يبقى من أهم المخاوف؛ إذ تحذر جهات مثل UBS من أن حاسوباً كمياً قوياً قد يهدد أنظمة التشفير الحالية، ما يجعل الحاجة إلى تطوير “تشفير آمن كمياً” أمراً ملحاً خلال السنوات المقبلة. ويؤكد كثيرون، ومن بينهم مسؤولو مايكروسوفت، أن الطريق إلى الحوسبة الكمومية التجارية سيحتاج إلى جهود كبيرة ووقت وتجارب كثيرة قبل أن تلتقي كل عناصر النجاح.

في المجمل، تبدو الصناعة حالياً في مرحلة انتقالية، تتسارع فيها الابتكارات والاستثمارات بينما يتزايد التساؤل حول جاهزية البنية التحتية والقدرات البشرية والتنظيمية لمواجهة تغير جوهري محتمل في طريقة الحوسبة والتعامل مع البيانات والأمن الرقمي.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : الرياض – العربية Business Alarabiya Logo
معرف النشر: MISC-190226-811

تم نسخ الرابط!
3 دقيقة و 14 ثانية قراءة