في وقت لا يزال فيه ملف سد النهضة بلا اتفاق قانوني ملزم بعد انسحاب إثيوبيا من محادثات 2020، كشفت دراسة علمية حديثة تستخدم تقنيات رصد الأرض والأقمار الصناعية عن نتائج مثيرة تتعلق بسلامة الهيكل الإنشائي للمشروع وتأثيراته الجيولوجية العابرة للحدود. وخلص فريق الباحثين إلى أن سد النهضة قد يشكل خطراً هيدرولوجياً كبيراً قد يتجاوز حدود إثيوبيا.
أعدّ الدراسة فريق دولي ضم باحثين من مصر والصين والهند والولايات المتحدة ونيبال، ومن بينهم الدكتور هشام العسكري، أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان. وبيّنت النتائج مشكلات عدة تتعلق بالسلامة الإنشائية، وتسرب المياه، ووجود فوالق جيولوجية تحت السد، فضلاً عن ملاحظة نشاط زلزالي في محيط المشروع.
يُعد سد النهضة أكبر مشروع كهرومائي في القارة، ويتألف من سد رئيسي خرساني بارتفاع نحو 145 متراً، وسد فرعي ركامي يعرف بسد “السرج” بطول يقارب 5 كيلومترات، صُمّم لاحتجاز المياه في المناطق المنخفضة لرفع سعة الخزان الإجمالية إلى نحو 74 مليار متر مكعب، منها نحو 59.2 مليار متر مكعب سعة فعالة للتخزين.
اعتمدت الدراسة على “تكامل بيانات رصد الأرض” عبر خمسة محاور منهجية متقدمة لضمان دقة النتائج، منها رصد التغيرات في مستويات المياه الجوفية خلال مراحل ملء الخزان الخمس لتقييم تقلبات التخزين الأرضي، والنمذجة الهيدرولوجية باستخدام معادلة توازن المياه لمقارنة التدفقات الداخلة والخارجة مع احتساب التبخر والترشيح. كما استُخدمت قياسات التداخل الراداري للكشف عن أي هبوط تفاضلي في جسم سد السرج، وهو مؤشر حاسم للسلامة الإنشائية.
واستخدم الباحثون تحليلاً إحصائياً معتمداً على انحدار بواسون لربط ملء الخزان بالنشاط الزلزالي المحلي، مع مراعاة العوامل البركانية في المنطقة. وأظهرت التحليلات أن إثيوبيا تقع في منطقة جيولوجية معقدة تشمل امتدادات قديمة للدرع العربي النوبي وصدع شرق أفريقيا، ما نتج عنه أنظمة فوالق وصدوع متعددة الاتجاهات.
أشارت النتائج إلى أن السد الفرعي الركامي مُقام فوق منطقة ذات تعقيد تكتوني، وأن الصخور الأساسية تحوي مسارات قد تسمح بتسرب كميات كبيرة من المياه نحو مكامن جوفية عميقة — ما يعرف بالتسرب تحت السطحي عبر قاع الخزان وأساسات السد. كما رصدت الدراسة دلائل على نشاط زلزالي مستحث يرتبط بارتفاع منسوب المياه في الخزان الذي يولد ضغطاً هيدروليكياً كبيراً على القشرة الأرضية، مما يزيد من تواتر الهزات في محيط السد.
وحذّر الباحثون من أن هذا النشاط الزلزالي قد لا يقتصر على إضعاف جسم السد فحسب، بل قد يؤدي إلى تنشيط صدوع قديمة في حوض النيل الأزرق، خاصة مع قرب وجود نشاطات بركانية سابقة في المنطقة، مما يخلق بيئة جيولوجية غير مستقرة تعزز مخاطر انهيار أو انهيارات جيولوجية محلية.
طبّق فريق البحث أيضاً أسلوب “موازنة الكتلة” لمقارنة التدفق الداخل المقاس مع مجموع التدفقات الخارجة والتبخر والتغير في حجم المياه، حيث أدت أي فجوة في الحسابات إلى تفسيرها على أنها مؤشر تسرب. وأوضحت البيانات وجود مناطق ضعف في أساسات سد السرج مع صخور متآكلة، مما يمثل تهديداً جدياً لسلامته. كما يمكن أن تؤدي الحركات الحرارية والهبوط التفاضلي إلى تشقق طبقة البيتومين المانعة للتسرب، ما يزيد فقدان المياه ويهدد استقرار الهيكل الركامي.
خلصت الدراسة إلى أن سد النهضة، الذي تبلغ قدرته الكهرومائية نحو 6000 ميغاوات، ليس مجرد مشروع طاقة، بل قد يتحول إلى “قنبلة هيدرولوجية” إذا لم تُتخذ إجراءات مراقبة وصيانة ومدخلات هندسية وجيولوجية دقيقة ومتواصلة. وحذرت من أن أي انهيار في سد السرج، بسبب زلزال أو عيوب تأسيسية، قد يؤدي إلى فيضانات كبرى تهدد أرواح الملايين وتمتد آثارها لتشمل دول المصب.
وتدعو نتائج الدراسة إلى تبني آليات دولية لرصد المخاطر الجيولوجية العابرة للحدود، ودمج بيانات الأقمار الصناعية في بروتوكولات السلامة والإدارة، لضمان ألا يتحول هذا المشروع التنموي إلى مصدر لكوارث إقليمية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : القاهرة: أشرف عبدالحميد ![]()
معرف النشر: MISC-200226-406

