الخيارات البديلة .. العملة الجديدة للقوة في نظام التجارة العالمي المجزأ
تشير طفرة اتفاقيات التجارة الثنائية الأخيرة إلى تحول في النظام الاقتصادي العالمي. فمنذ أن بدأت إدارة ترمب بدمج التجارة مع الجغرافيا السياسية، أصبحت الرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق أدوات للمنافسة الإستراتيجية. في هذه البيئة الجديدة، تأثرت بنود التجارة أقل بالعوامل الاقتصادية الأساسية، وأكثر باختلال موازين القوى التفاوضية.
وبحسب مقالة كتبها زاهد حسين، الاقتصادي السابق في البنك الدولي، وتوم فيليكس جوهنك، المراسل الاقتصادي، في صحيفة “نيكاي آسيا”، صُمم نظام التجارة العالمي للحد من دور القوة، ومع تفتت هذا النظام، تعود القوة لتفرض نفسها، ما يزيد من خطر تحول “الاعتماد المتبادل” إلى مصدر للضغط بدلاً من الرخاء.
الحكم التاريخي الأخير للمحكمة العليا الأمريكية الذي قيد سلطة ترمب في فرض الرسوم لا يعكس هذا الاتجاه، بل يسرع البحث عن أدوات “دبلوماسية اقتصادية” مستترة لكنها أكثر ديمومة، مثل العقوبات، والرقابة على الصادرات، والضغوط التنظيمية، والشراكات الأمنية.
في التنافس الجغرافي-الاقتصادي الحالي، تبرز الولايات المتحدة والصين في المشهد. إلا أن النظام يتشكل أيضاً بـ”الدول المحورية”، وهي دول ليست قوية كفاية لسن القواعد، لكن خياراتها تحدد كيفية تطور شبكات الإنتاج والتكنولوجيا العالمية.
تعد الاتفاقيات المبرمة استجابة للرسوم الجمركية “المتبادلة” الأمريكية نافذةً لفهم كيفية توظيف القوة الاقتصادية حاليًا. فقد أصبحت حماية الدولة من إكراه القوى العظمى هي “العملة الجديدة” لدبلوماسية التجارة، سواء استندت تلك الحماية إلى حجم سوقها، أو أهمية سلاسل التوريد فيها، أو أهميتها الجيوسياسية.
فالدول التي تمتلك خيارات خارجية موثوقة هي الأقدر على مقاومة ضغوط الرسوم الجمركية والحفاظ على استقلاليتها السياسية. أما الدول التي لا تمتلك مثل هذه الخيارات، فتواجه نتائج متباينة. عادة تقدم الدول التي أهميتها الإستراتيجية محدودة تنازلاتٍ ظرفية، مثل خفض الرسوم أو زيادة الواردات، دون التضحية بمرونة سياساتها المستقبلية. أما الدول محدودة الخيارات الخارجية والأهمية الإستراتيجية، فهي أكثر ميلًا لقبول اتفاقيات تقيد خياراتها الاقتصادية والجيوسياسية المستقبلية مقابل الوصول الحالي إلى الأسواق.
ورغم الترويج للرسوم الجمركية الأمريكية على أنها وسيلة لتقليص العجز التجاري الثنائي، فإن الواقع يكشف أنها تهدف لإعادة رسم التحالفات الاقتصادية. فبينما تباينت نسب الرسوم الأولية بين الدول، سارعت المفاوضات في تقريبها، ولو كان خفض العجز هو الغاية الوحيدة لانتهت العملية عند هذا الحد. وبدلاً، تحولت الرسوم إلى أداة للمساومة لانتزاع تنازلات اقتصادية، شملت الوصول إلى الأسواق والتزامات المشتريات، وصولاً إلى التوافق في مجالات التكنولوجيا والأمن.
تعكس التباينات في الاتفاقيات التجارية حجم القوة التفاوضية لكل دولة. حصلت بنجلاديش على تخفيضات جمركية في فبراير 2026، لكنها كانت مشروطة، فإذا أبرمت اتفاقيات مع “اقتصادات مركزية”، أي تتدخل فيها الحكومة، مثل الصين، فقد ترتفع الرسوم من 19% إلى 37%. وبالمثل، وافقت كمبوديا على استشارة واشنطن قبل السعي نحو اتفاقيات تفضيلية مع الصين، رغم عضويتها في “آسيان”.
أما إندونيسيا، فقد نجحت في تأمين رسوم جمركية مع حماية سيادتها الصناعية، مستغلةً سيطرتها على احتياطيات النيكل الحيوية لصناعة السيارات الكهربائية، ما أجبر واشنطن على التنازل. من جهة أخرى، كان موقف نيودلهي أقوى؛ حيث تجاهلت الضغوط الأمريكية لوقف استيراد النفط الروسي الرخيص، مستندةً إلى سوقها المحلية الضخمة وأهميتها في تنويع سلاسل توريد شركات التكنولوجيا الأمريكية.
وقدمت سريلانكا درساً مختلفا، فرغم أنها ليست قوة عظمى، فإنها تجنبت الشروط السياسية المستقبلية من خلال توفير “خيارات بديلة” والمناورة بين الهند والصين واليابان وشركاء الخليج.
وفي الختام، يبرز تساؤل جوهري: هل تظل الاقتصادات الضعيفة محاصرة بهذه المقايضات؟ يقدم التاريخ نماذج للتفاؤل الحذر، فدول مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية قبلت بعد الحرب التحالف مع شركاء أقوياء، لكنها استغلت ذلك الاستقرار لبناء قدراتها الصناعية ومؤسساتها.
واليوم، تواجه العديد من الاقتصادات النامية الخيار ذاته، فالاتفاقيات التي تبدو مقيدة اليوم يمكن أن تتحول إلى جسور للعبور إذا استخدمت لبناء المرونة والبدائل، أما غياب القدرات المحلية فقد يحولها إلى فخاخ دائمة.
وفي ظل نظام عالمي مجزأ، أصبح “تعدد الخيارات” هو المصدر الحقيقي للقوة. والدول التي تبني خياراتها اليوم هي من ستضع قواعد الغد.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-270326-559

