تتجه الحكومات والشركات في الأسواق الناشئة بشكل متزايد إلى تنويع مصادر التمويل الخارجي عبر الاعتماد على مستثمرين غير مصرفيين بدلًا من البنوك التقليدية، ورغم ما يوفره ذلك من مزايا إلا أنه قد يشكل مخاطر جديدة، أبرزها ارتفاع قابلية هذه الاقتصادات لتقلبات تدفقات رأس المال في حال وقوع صدمات عالمية كالحروب، وفقًا لتقرير صندوق النقد للاستقرار المالي العالمي.
ومنذ الأزمة المالية العالمية، شهدت تدفقات المحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة نموًا لافتًا، حيث تضاعفت بنحو ثماني مرات لتصل إلى نحو 4 تريليونات دولار تراكميًا، مقارنة بنمو أكثر تواضعًا في التمويل المصرفي. وتتركز معظم هذه التدفقات في أدوات الدين، التي باتت تمثل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي في هذه الأسواق، مقارنة بـ9% في 2006، فيما يأتي نحو 80% من هذه الأموال من مؤسسات غير مصرفية مثل صناديق الاستثمار والتحوط والتقاعد وشركات التأمين.
يوفّر هذا التدفق الكبير من رؤوس الأموال مزايا ملموسة للمقترضين في الأسواق الناشئة، حيث يساهم في خفض تكاليف التمويل، ودعم الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية. كما يسهم التمويل القائم على الأسواق في دمج الشركات ضمن سلاسل القيمة العالمية، عبر تسهيل الوصول إلى التمويل التجاري ورأس المال العامل، مما يعزز قدرتها التنافسية ويزيد من صادراتها.
لكن في المقابل، تتسم هذه التدفقات بقدر أكبر من التقلب مقارنة بالتمويل المصرفي، وتزداد حساسيتها للتغيرات في شهية المخاطر العالمية. ويمكن أن تؤدي أي تحولات مفاجئة إلى ضغوط تمويلية خارجية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وتراجع حاد في أسعار العملات، مما ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي. وقد برزت هذه المخاطر مؤخرًا في ظل التوترات الجيوسياسية، حيث شهدت عدة أسواق ناشئة انعكاسًا في تدفقات رؤوس الأموال.
تُظهر التقديرات أن ارتفاعًا بمقدار انحراف معياري واحد في مؤشر تقلبات الأسواق العالمية يرتبط بخروج تدفقات دين من الأسواق الناشئة تعادل نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي في المتوسط، مع تأثيرات أكبر على تدفقات صناديق الاستثمار.
ويمثل الائتمان الخاص أحد أسرع قطاعات التمويل غير المصرفي نموًا، خاصة في الأسواق الناشئة، حيث توسعت أصوله المدارة بنحو خمسة أضعاف خلال العقد الماضي لتصل إلى ما بين 50 و100 مليار دولار. وتزداد حدة هذه التأثيرات في الدول ذات الأسس الاقتصادية الأضعف، مثل ارتفاع مستويات الدين العام، وضعف احتياطيات النقد الأجنبي، أو تراجع جودة المؤسسات.
تختلف أسباب تقلب تدفقات رؤوس الأموال بحسب نوع المستثمرين. فصناديق الاستثمار، التي تمثل الحصة الأكبر، قد تتعرض لضغوط استرداد مفاجئة تجبرها على بيع الأصول بسرعة. كما أن الاستراتيجيات المرتبطة بالمؤشرات قد تؤدي إلى عمليات بيع متزامنة عند تغير أوزان الأصول. أما صناديق التحوط، التي تزداد أهميتها في بعض الأسواق الناشئة، فتعتمد على الرافعة المالية لتعظيم العوائد، مما يزيد من حساسيتها لتقلبات الأسواق.
تشير البيانات إلى أن صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشتركة هي الأكثر حساسية لتغيرات المخاطر العالمية، حيث تنخفض حيازاتها من أصول الأسواق الناشئة بشكل ملحوظ عند ارتفاع التقلبات. في المقابل، تبدو استثمارات صناديق التقاعد وشركات التأمين أكثر استقرارًا، ولا تُظهر استجابة كبيرة للصدمات نفسها.
يمثل الائتمان الخاص أحد أسرع قطاعات التمويل غير المصرفي نموًا، مع دور في توسيع الوصول إلى التمويل، رغم محدودية الشفافية ونقص البيانات التي قد يصعّبان تقييم المخاطر بشكل دقيق وفي الوقت المناسب.
يؤكد التحليل أهمية مراقبة تركيبة المستثمرين غير المصرفيين عند تقييم مخاطر الاستقرار المالي. كما أن تعزيز جودة المؤسسات والحفاظ على هوامش مالية وخارجية كافية يمكن أن يخفف من تقلبات تدفقات رأس المال ويجذب استثمارات أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
تشمل الأدوات المتاحة لصناع السياسات مزيجًا من السياسات النقدية ومرونة سعر الصرف، إلى جانب أدوات احترازية كلية، مما يساعد على احتواء المخاطر. كما يمكن لاختبارات الضغط الشاملة أن تسهم في تقييم قدرة الأنظمة المالية على الصمود أمام صدمات مفاجئة. وفي ظل الطبيعة العابرة للحدود لتدفقات رأس المال، تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي لسد فجوات البيانات والتنظيم، والحد من الآثار السلبية للصدمات المالية العالمية على الاقتصادات الناشئة.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : aleqt.com ![]()
معرف النشر: ECON-070426-447

