ترتبط قلة تردد الأبناء البالغين على زيارة والديهم غالباً بنوع من الحب المتمحور حول الجهد المادي لا حول التواصل العاطفي. كثير من الآباء بذلوا عمرهم في تأمين الحماية والاحتياجات المادية، فغابت عنهم فرصة أن يعرفوا أبنائهم داخلياً، وهذا الغياب العاطفي يدفع الأبناء تدريجياً إلى الابتعاد، وليس بالضرورة بسبب قسوة أو إهمال مقصود.
غياب عاطفي خفي
تؤكد أبحاث علم النفس أن الآباء قد يكونون ناجحين في سد الاحتياجات المادية لكنهم يفشلون في حضور الجانب العاطفي. الإهمال العاطفي ليس فعلاً واضحاً يُقاس بحدث واحد، بل هو نقص في شيء غير مرئي: غياب الانتباه لمشاعر الطفل واحتياجاته الداخلية. وبما أنه غياب لشيء ما لا وجود لعلامات فاضحة له، يصعب اكتشافه سواء على الوالدين أو الطفل.
أنواع الآباء
هناك فئات من الآباء الذين يسببون هذا النقص دون قصد، وغالباً هم ممن يوصفون بـ«الآباء الصالحين». من أمثلتهم:
– الوالد المنهمك في العمل.
– الوالد المهووس بالإنجاز والنتائج.
– الوالد حسن النية الذي يهمل رفاهيته العاطفية.
هؤلاء ليسوا قساة، بل أحبوا أبناءهم ووفَّروا لهم الكثير، لكنهم لم يطوِّروا مهارات الاستجابة العاطفية لأنهم لم يتعلَّموها من نماذج حولهم.
عائق متوارث
غالباً ما تكون جذور هذا النمط في جيل سابق: الآباء الذين افتقدوا رعاية عاطفية هم أنفسهم نشأوا في بيئات لا تُظهر المشاعر أو تقدّرها. فإذا لم يرَ الوالد في طفولته كيف تُستجاب المشاعر، فسيكون من الصعب عليه أن يفعل ذلك كبالغ، وسيصدق أنه «فعل كل شيء بشكل صحيح» لأنه فعل ما عُرف له أن يفعله.
الحضور العاطفي الحقيقي
التوافر العاطفي في التربية يتجاوز تلبية الاحتياجات الجسدية؛ إنه بناء بيئة تدعم الأمان والاتصال والنمو الشخصي. الحضور العاطفي يظهر في ملاحظة انزعاج الطفل والسؤال عنه بدل محاولة إصلاحه فوراً، وفي الاستماع إلى حياة الطفل الداخلية وليس الاكتفاء بالنتائج المدرسية، وفي مرافقة المشاعر بمشاعر مقابلة لا بإصدار أوامر أو تقليل من شأنها.
آباء منتصف القرن العشرين
لجيل نشأ في منتصف القرن الماضي، كان دور الأب تقليدياً يقوم على الإعالة والحماية، بينما كانت الرعاية عملية أكثر مما هي عاطفية. توقَّع المجتمع أن يدير الأطفال مشاعرهم بأنفسهم، وجرت إدارة الأسرة وفق ترتيبات عملية أكثر من كونها محاورات حول العواطف. لكن الأطفال يحتاجون أيضاً لأن يشعروا بأنهم مفهومون ومقبولون عاطفياً.
حيرة الآباء
يفاجأ كثير من الآباء عندما يجدون أن أبنائهم البالغين لا يزورونهم أو لا يستطيعون التعبير عن سبب الغياب. كثيرون يجيبون بجمل غامضة مثل: «لا أدري، من الصعب التواجد هناك» أو «ليس لدينا ما نتحدث عنه». هؤلاء ليسوا متجنبين متعمدين، بل يفتقرون إلى اللغة أو الذاكرة لتحديد سبب شعورهم بعدم الراحة؛ لأن الإهمال العاطفي لا يترك حادثة واحدة تُستحضر، بل إحساساً غامضاً بعدم الارتياح في وجود أحد الوالدين.
“بذلتُ قصارى جهدي”
الاستجابة الشائعة من الآباء الحائرين هي: «بذلت قصارى جهدي»، وغالباً هذا صحيح من وجهة نظرهم؛ فقد فعلوا ما تعلموه وما وُكّل إليهم. لكن ما كان «قصارى جهدهم» تشكّل بواسطة تربية محددة وحدود عاطفية وسياق ثقافي يرى في العطاء المادي هو جوهر الأبوة. المطلوب الآن ليس آلة زمن، بل والد قادر على أن يُظهر استجابة عاطفية مختلفة في الحاضر: الاستماع دون دفاع، والاعتراف بتجربة الابن دون تصحيحها فوراً.
الرعاية الدفاعية
تصف الأبحاث هذا النمط بأنه «رعاية دفاعية»: أشخاص افتقدوا رعاية عاطفية موثوقة فأصبحوا معيلين مسؤولين جداً، يركزون على ما يمكن التحكم به مثل الجوانب المالية واللوجستية، ويتجنبون الضعف والمخاطرة العاطفية. من الخارج يبدون آباءً مثاليين عملياً، ومن الداخل يشعر الأبناء بنقص يصعب تسميته، وقد يورّثون هذا النقص إلى جيلٍ تالي إن لم يتغيّر النهج.
نصائح عملية
أفضل سؤال يمكن أن يطرحه الوالد على نفسه الآن هو: «هل جعلت ابني يشعر بأنه مفهوم؟ هل أهتم بشخصيته الداخلية، أم فقط بمظهره وإنجازاته؟» إن كان الجواب غير مؤكد، فهذه نقطة انطلاق. خطوات بسيطة لكنها فعالة:
– اطرح سؤالاً بسيطاً ومباشراً: «كيف حالك حقاً؟» وانتظر الاستجابة بدون مقاطعة أو تصحيح.
– استمع بفضول إلى حياة الابن ومشاعره، وكن مستعداً للاعتراف بنقصك إن لزم.
– تدرب على الصمت والسؤال المتابع بدل إعطاء الحلول فوراً.
– تقبل أن الأمر قد يبدو غريباً في البداية؛ الاستمرار في المحاولة يرسل رسالة مهمة: «أنت مهم لي كشخص، لا فقط فيما أفعله من أجلك».
التغيير ممكن في أي مرحلة من الحياة. ما يحتاجه الابن البالغ غالباً ليس إلغاء الماضي، بل حضورًا مختلفًا الآن: والد قادر على الاستماع، والفهم، والاهتمام بما في داخل ابنه.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-080426-85

