إقتصاد

خرائط مكة المفقودة عند الأوروبيين .. ذهب وقصور وقوى خارقة تحميها

0c00d9bc e61d 46d5 b38c 2b001a576a56 file.jpg

خرائط مكة المفقودة عند الأوروبيين .. ذهب وقصور وقوى خارقة تحميها

عبدالرحمن عابد من الرياض

في زمن ما قبل التصوير الفوتوغرافي وقبل أن تصل أول كاميرا إلى مكة المكرمة، كانت المدينة المقدسة أكثر الأماكن التي تشغل المخيلة الأوروبية، خاصة الرسامين والجغرافيين الذين عدوها “مدينة الغموض والسحر”. حيث لا يزورها الغرباء والأخبار التي تتسرب عبر الحجاج ضئيلة، وبدلًا من محاولة استقصاء الحقيقة لجأوا إلى خيالهم فرسموا خرائط خاطئة وقدموا لها أوصافًا أقرب إلى الأساطير. بينما توثق دراسة أعدتها الباحثة الفرنسية ماري إليز لمصلحة المدرسة العليا للأساتذة في ليون أن مكة حظيت بنصيب كبير من اهتمام الأوروبيين لدرجة أن هناك ما يشبه الأرشيف الكامل للمدينة، لكن كل ما فيه من وحي الخيال فقط.

أسهم في صنع هذا “الأرشيف الوهمي” بشكل رئيسي كتاب رحلات السير جون ماندفيل الذي صدر في القرن الـ14، حيث قدم “ماندفيل” صورة مبكرة مليئة بالمغالطات عن الشرق الأوسط، وفي مقدمتها مكة المكرمة، التي وصفها الكتاب بأنها مدينة مليئة بالذهب والقصور والتماثيل. كما صوّرها مكتظة بالشوارع المصممة على الطراز الأوروبي والأندلسي، وبالنسبة للكعبة الشريفة فهي مكعب ضخم جدًا وفيها مآذن عملاقة. ورغم تلك الأكاذيب، فإن شح المعلومات آنذاك أدى إلى انتشار الكتاب بصورة كبيرة لدرجة أنه شكّل قناعة الأوروبيين ومثقفيهم لقرون طويلة.

لم تتغير الصورة كثيرا عند الرحالة الفرنسي جان شاردان الذي ألّف كتابًا في القرن الـ17 عن ما أسماه “الشرق الغامض”، وسار على النهج نفسه “ماندفيل” حين تحدث عن مكة المكرمة، حيث أضفى عليها صفات أسطورية فوصفها بالمدينة الغنية جدًا والمليئة بالقصور والكنوز، كما زعم أنها محمية بقوة “سحرية” وهالات تدور حولها طوال العام لمنع أي غريب أو ردع أي عدوان. كما توقف طويلًا أمام فريضة الحج وفشله في فهمها، كما أوضحت “إليز” في دراستها الفرنسية.

تلك الكتابات التي أضيف إليها الروايات الشعبية صنعت في النهاية خرافات شكلت قناعة لدى الأوروبيين، خاصة الجغرافيين الذين اعتمدوا على ذلك في صنع خرائط للمدينة المقدسة، وأبرز هؤلاء الجغرافي أبراهام أورتيليوس الذي أعد أول أطلس حديث في أوروبا عام 1570، وفيه وضعت مكة في موقع جغرافي غير دقيق وأقرب إلى البحر الأحمر من موقعها الحقيقي، ما جعلها تبدو كمدينة ساحلية. كما أن المسافات بينها وبين مدن الحجاز لم تكن دقيقة، وظل هذا الأطلس مرجعًا لكثير من العلماء لفترة طويلة.

الرسامون أيضًا وضعوا بصمتهم في صنع الأسطورة، مثل الرسام الهولندي أوليفير دابير الذي رسم صورة لمكة المكرمة في كتابه الشهير “وصف إفريقيا في القرن السابع عشر”، ورغم أنه لم يزرها واعتمد فقط على الروايات الأوروبية وكتب الرحالة، لذا جاءت لوحته كمدينة كبيرة بمباني ضخمة جدًا ومآذن هائلة، بينما كانت مكة آنذاك مدينة بسيطة وهادئة.

في عام 1853، بدأت مكة تنتقل من المدينة الأسطورية إلى الحقيقية وتراجعت الخرائط الوهمية واللوحات الكاذبة، وذلك بسبب الرحالة ريتشارد فرانسيس بيرتون الذي تنكر في هيئة طبيب مسلم ودخل المدينة المقدسة ليكشف هويتها. وخلافًا لكل من سبقه، قدم بيرتون وصفًا تفصيليًا دقيقًا للمدينة والحرم والحج، ونقل ما رآه بكل أمانة، فظهرت مكة كمدينة تعج بالأسواق والحجاج وحياتها اليومية الغنية، وأهلها أصحاب ثقافة يتذوقون الشعر. ورغم صدمة المجتمع الأوروبي من تلك النظرة التي هدمت كل معتقداته، تعتبر الصحف والمجالس العلمية ذلك إنجازًا استثنائيًا يمكن البناء عليه.

ما كان يُكتب في الكتب صار يُرى بالعين على يد المستشرق الهولندي كريستيان هنوك الذي أسلم وزار مكة في عام 1885، والتقط لها أقدم صورة فوتوغرافية لتنتهي الرسومات التخيلية وتختفي الأساطير أمام الحقائق التي أبرزتها عدسة “هنوك”. ولم يكتف فقط بتصوير الكعبة الشريفة بل صنع في كتابه “مكة” ما يشبه فيلما وثائقيا رصد فيه حياة الناس والأسواق والبيوت القديمة المحاطة بالحرم، كما سجل ملاحظاته عمّا رآه. ونتيجة لذلك، أصبح يُقاس تاريخ المدينة المقدسة من المنظور الأوروبي بمرحلة ما قبل “هنوك” وما بعده حسب دراسة أصدرتها جامعة السربون عن جهود المستشرقين في الشرق الأوسط.

أدرك الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في وقت مبكر أهمية الصورة في توثيق التحولات الكبرى التي شهدتها السعودية، وخاصة مكة المكرمة في عهده. ومع تزايد أعداد الحجاج وتطور وسائل النقل والمواصلات، سمح بالتوثيق الفوتوغرافي وتذليل العقبات أمام البعثات الأجنبية. ومن ثم بدأ العالم يرى لقطات متحركة لحركة الحجاج والطواف والشعائر الدينية. ونتيجة لذلك، بدأ أول أرشيف بصري لمكة، التي ترسخت عند أذهان المسلمين، لا سيما بعد تحويل الملك المؤسس اسمها رسميًا إلى العاصمة المقدسة على مستوى الإدارة والحكم والدوائر الحكومية عام 1924. وبعد قرابة 100 عام، شهد خطبة عرفة عام 2022 نحو 219 مليون شخص حول العالم، بعد أن حاول الرسامون والجغرافيون الأوروبيون عبر التاريخ نقل صورة مكة إلى مجتمعاتهم. إلا أنها أصبحت اليوم مشهداً حياً يجمع بين القداسة والتاريخ والتقنية، بفضل اهتمام وعناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

621 مليون شخص حول العالم تابعوا أو استمعوا إلى خطبة عرفة في عام 2025، وهو ما بات حدثًا عالميًا يُشاهد لحظة بلحظة، ويبث عبر منصات رقمية بمختلف اللغات في أرجاء بقاع المسلمين الذين تحولت قبلتهم، لتنتقل العاصمة المقدسة من خرائط ولوحات أسطورية إلى مجرد “فلكلور” يدل على شطحات الرسامين والجغرافيين في أوروبا إلى أسطورة أخرى، ولكن هذه المرة حقيقية. وأصبح السؤال ليس كيف تخيل العالم مكة، بل كيف استطاعت مدينة واحدة أن تجمع بين القداسة والتاريخ والتقنية في لحظة واحدة، وأن تتحول من مكان لا يعرفه بشر إلا عبر الأساطير إلى مشهد حي يشاهده مئات الملايين في التوقيت نفسه.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : aleqt.com CNN Logo
معرف النشر: ECON-010626-271

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 11 ثانية قراءة