يقوم كثير من الناس بإخراج هواتفهم في المصعد أو أثناء الانتظار في الصفوف أو حتى في الثواني التي يعمل فيها الميكروويف، ويستخدمون الهواتف أثناء الأكل أحياناً. وبمجرد الانتهاء من مهمة ما يبدأ البحث فوراً عن ما يشغل الوقت التالي، فتُملأ كل لحظة فراغ تقريباً بشيء يُعرض على الانتباه. النتيجة أن الكثيرين يشعرون بإرهاق دائم، يذهبون إلى النوم ويستيقظون وهم متعبون.
براءة ضغوط العمل
قد يُسند التعب إلى ضغط العمل، لكن الأمر ليس دائماً مرتبطاً بزيادة ساعات العمل أو كثافتها. هناك عامل آخر يستنزف الطاقة: القضاء على فترات الانتباه الفارغ — تلك الفواصل الصغيرة غير الموثوقة بين المهام. كانت لحظات مثل المشي إلى الحافلة ومراقبة الطريق وانتظار الدور في عيادة الطبيب أو غسل الصحون أو دقائق الاستلقاء في السرير قبل النوم سابقاً فترات راحة صغيرة. الآن تحولت معظم هذه الفترات إلى استقبال مستمر للمنبهات، فأصبح اليوم يبدو ممتلئاً بمدخلات لا تضيف راحة حقيقية للعقل.
الوقت الفارغ
هناك افتراض شائع أن العقل غير المشغول ضائع أو خامد؛ لكن الدماغ لا يتوقف عن العمل حين لا نُزوّده بمثيرات خارجية. على العكس، في اللحظات التي لا تتطلب مهمة خارجية يزداد نشاط شبكة داخلية في الدماغ تقوم بمهام معالجة مختلفة. لذا فإن فراغ الوقت ليس بطبيعته فراغاً حقيقياً.
عمليات المعالجة الداخلية
تعمل هذه الشبكة الداخلية على ترتيب أحداث اليوم، وإعادة التفكير في محادثات لم تكن مُرضية، وربط ما قرأه الشخص بما يشغل باله، وبناء الإحساس بالهوية والمسار. لا يمكن إتمام هذه المعالجة أثناء انشغال الجزء الأمامي من الدماغ بقراءة العناوين أو الرد على الرسائل. إذا قاطعنا هذه المعالجة بشكل مستمر فإن ترتيب اليوم يبقى جزئياً، ما يفسر الإحساس بأن الأمور متأخرة أو غير مرتبة دون معرفة السبب بشكل واضح. وما أن نعطي الدماغ مهمة خارجية مثل بودكاست أو برنامج تلفزيوني، تتوقف هذه المعالجة الداخلية وتُهدر فرصة الترتيب الذهني.
تجنب الخلوة مع النفس
أظهرت دراسات أن قضاء دقائق قليلة وحدك بلا فعل سوى التفكير قد يكون مزعجاً للعديد من الناس؛ في تجربة شهيرة طلب من المشاركين البقاء في غرفة فارغة ست دقائق فقط فوجد كثيرون صعوبة في ذلك. في تجربة أخرى وُضع زر يصدر صدمة كهربائية خفيفة، ولدى احتمال الضغط عليه اختار بعض المشاركين، خصوصاً بين الرجال، التعرض للألم بدلاً من قضاء دقائق الخلوة مع أنفسهم. لا يعني ذلك أن الجميع يفضل الألم، لكنه يوضح إلى أي حد يمكن أن يكون الخلوة مزعجة للبعض.
الانتباه الجزئي المستمر
هناك حالة وصفها البعض بأنها «الانتباه الجزئي المستمر»؛ فيها لا ينشغل الشخص تماماً بمهمة واحدة لكنه لا ينقطع عنها تماماً، ويبقي جزءاً من وعيه متنبهاً لما قد يأتي لاحقاً. يشبه هذا برنامجاً يعمل في الخلفية يستهلك طاقة صغيرة ثابتة طوال اليوم، وهذا الاستهلاك المستمر يضيف شعوراً بالتعب. لا يجب السعي لقفل كل التطبيقات، لكن يمكن اختيار أن تكون بعض الفترات خالية فعلاً من المثيرات: المشي بدون سماعات، أو انتظار الدور دون هاتف، أو تناول وجبة من دون شاشة.
وجبة واحدة بدون الهاتف
لا يحتاج الدماغ إلى ساعات من الصمت القسري لينجز معالجة داخلية؛ ففترات قصيرة كافية. عند تجربة ترك الهاتف أثناء المشي أو أثناء وجبة قد يشعر الشخص بعدم الارتياح أو قلقاً في البداية — انطباع مشابه لذلك الذي يدفعه للتصفح أو فتح التطبيقات — لكن هذا الانزعاج يتراجع تدريجياً كلما توقف التصديق بأن كل فراغ يجب ملؤه.
في المقابل، إذا كان التعب ناتجاً عن ضغط مهام مفرط أو حزن أو استنزاف طاقة حقيقي فإن مجرد المشي بلا بودكاست لن يكون كافياً، وتحتاج الأسباب الأعمق إلى معالجة مناسبة.
تلاشٍ تدريجي للتعب
بالنسبة للإرهاق الخفيف المزمن الذي لا يزول بالنوم، قد يكفي البدء بترك الفاصل التالي كما هو: لا بودكاست أثناء المشي، لا هاتف على الطاولة أثناء الأكل، ولا تصفح أثناء الانتظار في الصف. في البداية سيشعر الشخص بأن شيئاً ما ناقص، لكن بعد أسبوع من منح الفراغات الصغيرة فرصتها ستبدأ آثار التعب بالتراجع بشكل ملحوظ.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : العربية.نت – جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-080626-532

