إقتصاد

لأول مرة منذ 80 عاما.. بنوك مركزية تنقلب على الدولار

A5a17d07 f4e8 4601 b830 a2d90a82000b file.jpg

فكر في الحساب المالي الوحيد الذي لن تجازف به أبداً، ليس رصيدك الجاري، بل المال الذي إن اختفى فقد يدمّر حياتك. ستوديعه في مكان آمن وممل، حيث لا يتقلص دون أن تدري.

الدول تتصرف بنفس الغريزة، مع فارق أن خزائنها تحوي تريليونات. وعلى مدار 80 عاماً، كان الجواب الفوري لمكان حفظ هذه الأموال هو شراء الدولار الأمريكي وسندات خزينة الولايات المتحدة، ثقةً بأن أقوى اقتصاد في العالم سيلتزم دائماً بتعهداته. وهذه الثقة سمحت لواشنطن بالاقتراض بتكلفة منخفضة، وجعلت للدولار قيمة عالمية في أي مطار.

لكن، بحسب موقع “ذا ستريت”، هذا الأسبوع أعلن مدراء هذه الاحتياطيات شيئاً غير مسبوق: لأول مرة تخطط أغلبية البنوك المركزية لخفض حيازاتها من الدولار خلال العقد المقبل بدل زيادتها، وفق مسح سنوي أجراه “منتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية”.

شمل المسح 90 بنكاً مركزياً وصندوقاً سيادياً تدير مجتمعة نحو 10 تريليونات دولار. وفي 12 دورة سابقة للمسح، كان الدولار يتصدر دائماً، لكن المعادلة تغيّرت هذا العام. ولم تكن العملة المنافسة هي السبب، بل المخاطر السياسية داخل الولايات المتحدة والتوترات الجيوسياسية. ويتوقع أربعة من كل خمسة مشاركين استمرار تfragmentation النظام المالي العالمي ليصبح متعدد الأقطاب بلا سيطرة عملة واحدة.

وعند مقارنة النتائج بالبيانات الفعلية، يبدو التحول وكأنه تراجع بطيء مدروس لا هروب جماعي. فالاحتياطيات العالمية تتألف حالياً من 56.77% دولار، بانخفاض من ذروة تجاوزت 70% أواخر التسعينيات وفق صندوق النقد الدولي. والمثير أن الدولار ليس في موقف ضعف الآن، فقد حقق مكاسب بنسبة 3% في عام 2026، ما يشير إلى أن ما يحدث خطة عقلانية مُعدة للعشر سنوات المقبلة.

الدافع وراء هذا القرار واحد. بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 جمدت الحكومات الغربية نحو 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية. وتعلّم كل بنك مركزي الدرس في لحظة واحدة: الأموال المحتفظ بها بالدولار يمكن تعطيلها بضغطة زر من الدولة التي تصدره.

في المقابل، لا يمكن تجميد الذهب، لذا صار المخرج المفضل. يمثل المعدن الأصفر الآن 27% من الاحتياطيات الرسمية مقارنةً بـ22% للسندات الأمريكية، متقدماً عليها لأول مرة منذ عام 1996 بحسب البنك المركزي الأوروبي.

ويتوقع مجلس الذهب العالمي انكماش حصة الدولار خلال 5 سنوات بنسبة 74%، بينما يخطط 30% من مديري الاحتياطيات لإضافة الذهب قريباً. وبينما يبحث القائمون على الاحتياطيات عن اليورو واليوان الصيني، تمنع مشكلات هيكلية فيهما استبدال الدولار كلياً، فتتوزع الأصول على عملات أصغر مثل الجنيه الإسترليني والكرونة النرويجية والدولار النيوزيلندي.

هنا يتقاطع حساب مديري الاحتياطيات مع واقع حياتك اليومية، فواشنطن تموّل عجزها ببيع السندات وكانت البنوك المركزية المشترِي الأهم لها. وعندما يخف هذا الإقبال، ستضطر الحكومة إلى جذب مشترين جدد برفع أسعار الفائدة. وعندما ترتفع عوائد السندات، لا يبقى ذلك محصوراً على واشنطن فحسب، بل يُسعّر سوق القروض العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، ما يزيد تكلفة قرضك المقبل. كما أن ضعف الدولار يشتري سلعاً مستوردة أقل، مما يغذي التضخّم.

المهم ليس فقط الحصة الاسمية للدولار، بل الوجهة التي يختارها المديرون؛ فهم لا يقتنون الذهب فحسب، بل ينقلونه إلى خزائن داخل بلادهم، بعيداً عن متناول حكومات أجنبية.

لم يسقط الدولار من عرشه بعد، فهو يمثل 42% من الاحتياطيات العالمية الشاملة ويبقى العملة الأساسية بلا منافس قريب. لكن مديري الاحتياطيات يفكرون في آفاق سنوات لا عناوين صحف، وقد توقفوا عن المراهنة على عودة النظام القديم.

المؤسسات التي تملك المبرر الأقوى للدفاع عن الدولار هي نفسها التي تشتري البديل وتخزنه في خزائنها، فقد قرأوا التحذير مبكراً. ويبقى السؤال: هل سنحرك أموالنا قبل أن يتحول هذا التراجع البطيء إلى هروب سريع؟


عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : aleqt.com CNN Logo
معرف النشر: ECON-020726-52

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 41 ثانية قراءة