الهند.. كاميرات رؤوس عمال المصانع تجمع بيانات لتدريب الروبوتات
شهدت مصانع في الهند انتشار ظاهرة جديدة على نطاق واسع، تتمثل في تثبيت كاميرات على رؤوس العمال لتسجيل تفاصيل عملهم اليومية، بهدف جمع بيانات تُستخدم في تدريب الروبوتات الشبيهة بالبشر.
وأفادت صحيفة الجارديان البريطانية بأن الكاميرات تسجل مختلف تفاصيل العمل اليومية، بما في ذلك حركة الأيدي، وطريقة التعامل مع الخامات وجوانب المصانع المختلفة، وسرعة إنجاز المهام، إضافة إلى التفاعلات بين العمال.
ومع مرور الوقت، بدأت أجواء العمل تتغير داخل المصانع، إذ أصبح العمال أكثر حذراً في حركاتهم وتصرفاتهم، وتراجعت الأحاديث المعتادة بينهم نتيجة الشعور المستمر بالمراقبة.
تدريب الذكاء الاصطناعي في المصانع
أشارت الصحيفة إلى أن هذه التسجيلات أصبحت جزءاً من جهود متنامية لجمع ما يُعرف بـ “البيانات الذاتية” أو Egocentric Data، وهي تسجيلات توثق النشاط البشري من منظور الشخص نفسه، وتُستخدم في تدريب الروبوتات الشبيهة بالبشر.
وتُعد هذه البيانات من الموارد الأساسية لتطوير الروبوتات، إذ تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى مشاهدة البشر أثناء أداء الأعمال فعلياً كي تتعلم كيفية تنفيذها.
وعلى عكس النماذج اللغوية مثل ChatGPT وGemini، التي جرى تدريبها على كميات ضخمة من النصوص، تعتمد الروبوتات على تسجيلات مباشرة للأنشطة البشرية في العالم الواقعي.
وقالت الشركات العاملة في هذا المجال إن تطوير روبوتات قادرة على العمل بكفاءة في البيئات الواقعية يتطلب مئات الملايين، وربما مليارات الساعات، من الأنشطة البشرية المصورة داخل المصانع والمخازن والمتاجر والمنازل.
ومن بين الشركات التي تجمع هذه البيانات شركة EgoLab الهندية، التي تُعد شركة تسلا من أبرز عملائها، والتي أشار سابقاً رئيسها التنفيذي، إيلون ماسك، إلى أن الجزء الأكبر من قيمة الشركة المستقبلية قد يأتي من الروبوتات الشبيهة بالبشر.
الهند.. مركز رئيسي في تدريب الروبوتات
أصبحت الهند خلال السنوات الأخيرة مركزاً رئيسياً في سباق جمع البيانات المستخدمة لتدريب الروبوتات.
وظهرت منظومة متكاملة من الشركات المتخصصة في هذا المجال، من بينها Humyn AI وFPV Labs وMicro1 وEgodata وNeocambrian وXP Robotics وObjectways وScale AI وCynLr، والتي تعمل على توفير البيانات لشركات الروبوتات العالمية.
ويعود ذلك إلى ضخامة القوى العاملة الهندية وتنوع الأنشطة الصناعية التي يؤديها ملايين العمال يومياً، ومنها الخياطة والتجميع والفرز والتعبئة وغيرها من المهام التي تسعى شركات الروبوتات إلى تعليمها للآلات.
ولا تنتهي العملية عند مرحلة التصوير، فبعد جمع اللقطات، تُنظف التسجيلات وتُصنف وتُحوّل إلى بيانات قابلة للاستخدام في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتشمل هذه العمليات التأكد من ظهور اليدين بوضوح، وتتبع الحركات بدقة، وفصل النشاط المطلوب عن الخلفية المحيطة.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن الهند تستحوذ على نحو 35% من سوق توصيف البيانات العالمي، بينما يأتي نحو 60% من عائدات هذا النشاط من عملاء داخل الولايات المتحدة.
وتلعب التكلفة دوراً رئيسياً في نمو هذا القطاع، فجمع البيانات في الهند أقل تكلفة بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، ما يدفع الشركات إلى التوسع في الاعتماد على المصانع الهندية كمصدر رئيسي للبيانات.
وفي كثير من الحالات، تُبرم اتفاقات مباشرة مع المصانع لجمع التسجيلات على نطاق واسع، دون دفع مقابل مباشر للعمال الذين ينتجون هذه البيانات.
وأظهر تقرير “الجارديان”، الذي اعتمد على تقصي المجال الجديد في 6 مصانع موزعة على 5 ولايات هندية، أن العمال الذين ارتدوا أجهزة تسجيل، سواء كانت كاميرات مثبتة على الرأس أو نظارات ميتا الذكية، لم يحصلوا على أي تعويض مالي إضافي مقابل البيانات التي ساهموا في إنتاجها.
وبحسب الصحيفة، تكتفي بعض الجهات أحياناً بتقديم مشروبات أو مزايا بسيطة للعمال، بينما تحصل المصانع نفسها على مقابل مالي كبير نظير تسهيل عمليات التصوير وجمع البيانات.
وتشهد سوق البيانات الذاتية نمواً سريعاً مع دخول شركات جديدة بشكل متواصل، ما يفرض ضغوطاً على الأسعار.
ورغم استعداد بعض العملاء الدوليين لدفع مبالغ كبيرة للحصول على هذه البيانات، إلا أن المنافسة الشديدة تؤدي إلى خفض التكاليف بشكل مستمر، الأمر الذي ينعكس في النهاية على العمال الذين لا يحصلون على حصة من القيمة الاقتصادية للبيانات التي ينتجونها.
ولم تقتصر استخدامات التسجيلات على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فبحسب وثائق اطلعت عليها منصة Scroll.in، استخدمت بعض الشركات هذه التسجيلات لإعداد تقارير عن إنتاجية العمال، شملت قياس الوقت الذي يقضونه في العمل الفعلي، وحساب فترات التوقف، ومراقبة مدة الأحاديث مع الزملاء.
وفي بعض الحالات، تضمنت التقارير تحديد أسماء عمال بعينهم ورصد أماكن وتوقيتات تجمعهم داخل مواقع العمل.
وأثار الانتشار المتزايد لهذه الممارسات مخاوف تتعلق بالخصوصية، خصوصاً مع تسجيل تفاصيل دقيقة من حياة العمال اليومية أثناء وجودهم في أماكن العمل، كما يطرح الأمر تساؤلات بشأن مدى حرية العامل في رفض ارتداء الكاميرات، خاصة في بيئات العمل التي تتسم بعدم الاستقرار الوظيفي أو الاعتماد على متعهدين خارجيين.
وأشارت “الجارديان” إلى أن أياً من المصانع التي أجرت معها مقابلات لم يؤكد حصوله على موافقة مباشرة من العمال، فيما أوضحت بعضها أن الموافقات كانت تُستخرج عبر إدارات المصانع.
بيانات عمال البناء لتدريب الروبوت
لم يعد جمع البيانات الذاتية مقتصراً على المصانع، بل امتد إلى عمال البناء وعمال التوصيل والباعة الجائلين وغيرهم من العاملين في القطاع غير الرسمي.
وتُستخدم التسجيلات التي يجمعها هؤلاء العمال بالطريقة نفسها، إذ تُنظف وتُصنف وتُحول إلى بيانات تدريبية يمكن الاستفادة منها في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
كما أقرت شركات عاملة في هذا المجال بأن المشاركين لا يعرفون عادة الاستخدام النهائي للبيانات التي يجري جمعها منهم.
من يمتلك خبرة البشر؟
تسلط هذه الممارسات الضوء على نقاش متزايد حول ملكية البيانات الناتجة عن خبرات البشر، فالتسجيلات لا توثق وقت العمل فقط، بل تنقل أيضاً المهارات والحركات والخبرات العملية التي اكتسبها العامل على مدار سنوات.
وبمجرد تحويل هذه الخبرات إلى بيانات رقمية، تصبح جزءاً من منظومة عالمية لتطوير الذكاء الاصطناعي، دون وجود آليات واضحة تضمن للعاملين حصة من القيمة الاقتصادية المستقبلية الناتجة عن استخدامها.
ويطرح ذلك تساؤلات متزايدة بشأن الحاجة إلى نماذج جديدة لتقاسم العوائد أو تعويض العاملين عن القيمة طويلة الأجل للبيانات التي ينتجونها، خصوصاً مع تنامي الاعتماد على هذه البيانات في تطوير الأجيال المقبلة من الروبوتات والأنظمة الذكية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 5
المصدر الرئيسي : الشرق
معرف النشر: TECH-030726-434

