يكاد تكرار عبارة “سأبدأ غداً” على ألسنة الكثيرين أن يكون ظاهرة شائعة، بدءاً من “سأنظف المنزل غداً”، و”سأبدأ ممارسة الرياضة غداً”، و”سأرد على تلك الرسالة الإلكترونية غداً”. وأحياناً يأتي الغد، ثم يتكرر الوعد نفسه. ووفقاً لما نشرته صحيفة Economic Times، يشير علم النفس إلى أن هذه العادة الشائعة غالباً ما ترتبط بأقل من الكسل مما يعتقده الكثيرون. وينظر الباحثون بشكل متزايد إلى التسويف باعتباره وسيلة لإدارة المشاعر الصعبة المرتبطة بمهمة ما، لا بالمهمة نفسها. ولا يعني ذلك أن كل تأجيل غير صحي. فالأشخاص أحياناً يؤجلون العمل بسبب أولويات حقيقية أو ضيق الوقت. لكن عندما تصبح عبارة “سأفعل ذلك غداً” نمطاً متكرراً، تساعد العديد من النظريات النفسية في تفسير السبب.
تنظيم المشاعر
يتعلق التسويف غالباً بتنظيم المشاعر. وأحد أقوى التفسيرات يأتي من أبحاث تنظيم المشاعر. فقد كشف علماء النفس أن الأشخاص غالباً ما يؤجلون المهام التي تثير مشاعر غير مريحة مثل القلق والملل والإحباط والشك في الذات أو الخوف من الفشل. وبدلاً من تجنب العمل نفسه، قد يكونون في الواقع يتجنبون الشعور الذي يسببه لهم.
وعلى سبيل المثال، قد يؤجل أحدهم كتابة تقرير مهم لأن البدء به يبدو مرهقاً. إن قول “سأفعله غداً” يمنح راحة عاطفية مؤقتة، رغم أن المهمة لا تزال قائمة.
التحيز نحو الحاضر
يجعل التحيز نحو الحاضر الشعور بالراحة الفورية أكثر إرضاءً.
ويأتي تفسير آخر من التخفيض الزمني، والذي يُسمى أحياناً التحيز نحو الحاضر. وقد اكتشف الباحثون أن الأشخاص يضعون قيمة أكبر بطبيعتهم للمكافآت الفورية مقارنة بالفوائد المستقبلية.
فـتنظيف المرأب اليوم يتطلب جهداً في الوقت الحالي. بينما توفر مشاهدة برنامج تلفزيوني مفضل متعة فورية. وحتى عندما يعلم الأشخاص أن إنجاز المهمة سيفيدهم لاحقاً، غالباً ما يفضل الدماغ الخيار الذي يبدو أفضل في اللحظة الراهنة. وهذا يفسر لماذا يبدو الغد دائماً يوماً أفضل للبدء.
الكفاءة الذاتية
إن انخفاض الكفاءة الذاتية يمكن أن يجعل البدء يبدو أصعب. وقد قدم عالم النفس ألبرت باندورا مفهوم الكفاءة الذاتية، الذي يشير إلى إيمان الشخص بقدرته على إنجاز مهمة بنجاح. والأشخاص الذين يشككون في قدرتهم على الأداء الجيد غالباً ما يؤجلون البدء. فإذا تخيلنا طالباً جامعياً مكلفاً بكتابة بحث صعب، واعتقد أن المهمة تفوق قدراته، فقد يحميه تأجيلها مؤقتاً من الشعور بالنقص. ومن المفارقات أن التأجيل غالباً ما يزيد من التوتر مع اقتراب الموعد النهائي.
فجوة النية والفعل
ينوي الكثيرون بصدق إنجاز المهام المهمة. ويشير علماء النفس إلى الانفصال بين النوايا والسلوك الفعلي بفجوة النية والسلوك. فقد يقرر شخص ما بصدق ليلة الأحد البدء بممارسة الرياضة صباح الاثنين.
وعندما يحل يوم الاثنين، تجعل حالة التعب أو المشتتات أو الأولويات المتضاربة من الصعب الالتزام بالخطة. ولا تكمن المشكلة دائماً في الدافع، بل غالباً في تحويل النوايا الحسنة إلى عمل فوري.
تعزيز تكوين العادات
يأتي تفسير آخر من نظرية تكوين العادات. ففي كل مرة يؤجل فيها شخص ما مهمة ما ويشعر براحة مؤقتة، يتعلم الدماغ أن التأجيل يقلل من الشعور بعدم الراحة.
ومع مرور الوقت، يصبح قول “سأفعل ذلك غداً” رد فعل تلقائياً كلما ظهرت مهمة صعبة. وكلما تكررت هذه الدورة، ترسخت العادة أكثر. وفي نهاية المطاف، قد يحدث التسويف من دون تفكير واعٍ.
على أكمل وجه
يمكن أن يؤدي السعي للكمال إلى تأخير إنجاز العمل. فكثير من المسوّفين لا يتجنبون العمل لعدم اكتراثهم، بل يؤجلونه لأنهم يحرصون بشدة على إنجاز المهمة على أكمل وجه. وقد توصل علماء النفس إلى أن السعي للكمال قد يخلق أحياناً معايير غير واقعية. فعلى سبيل المثال، قد يتجنب شخص ما البدء في عرض تقديمي لأنه يريد أن تكون المسودة الأولى خالية من العيوب. ويصبح انتظار “الوقت المثالي” في معظم الأحيان شكلاً آخر من أشكال التأجيل. وفي الواقع، يبدأ التقدم عادةً بخطوة أولى غير مكتملة.
تنظيم الانفعالات
وتشير الدراسات النفسية إلى أن الأشخاص الذين يكررون عبارة “سأفعل ذلك غداً” ربما يتأثرون بعوامل تنظيم الانفعالات، وتفضيل الوقت على الإنجاز، والثقة بالنفس، وتكوين العادات، والمثالية، والفجوة بين النية والسلوك.
وبدلاً من أن يعكس التأجيل المتكرر الكسل، فإنه غالباً ما ينشأ لأن التأجيل يمنح راحة نفسية مؤقتة، رغم أنه يسبب ضغطاً نفسياً طويل الأمد. إن فهم هذه الأنماط النفسية هو الخطوة الأولى نحو استبدال “غداً” بـ”اليوم”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 6
المصدر الرئيسي : العربية.نت: جمال نازي ![]()
معرف النشر: MISC-060726-176

