ثقافة وفن

سوق النشر السعودي.. جيل جديد أمام تحديات الاستدامة والترجمة

E45c0a06 4ff9 4b80 9986 440bbca95407 file.webp

سوق النشر السعودي.. جيل جديد وتحديات الاستدامة

في ظل الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده السعودية، برز جيل جديد اختار الاستثمار في القطاع الثقافي، وخصوصاً في صناعة النشر، مستفيداً من تسهيلات وزارة الثقافة ومبادراتها المتنوّعة مثل “ترجم” وغيرها.

التقت “الشرق” الناشرة أمل عبد العزيز، مؤسسة دار “الآمال الكبرى” للنشر والتوزيع، واستعرضت معها كواليس سوق الكتاب، بدءاً من تأسيس دارها بناء على خلفيتها في الأدب الإنجليزي، وتحديات الاستدامة المالية، وتأثير المبادرات الحكومية في صناعة الترجمة وضبط جودتها.

كما تحدثت عن رؤيتها حول جدلية التحرير في الدور العربية، ومخاطر القرصنة، ومستقبل الكتاب الورقي أمام الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى تقييمها اللوجستي والثقافي لمعارض الكتاب السعودية.

على الرغم من اهتمامك بالقراءة والنقد، اخترت مسار النشر وليس التأليف، فهل خوفك من مقص الرقيب منعك من خوض تجربة التأليف؟

أنا مختصّة في الأدب الإنجليزي، منحني ذلك خبرة في بنية النص والقصة، وجعلني مرجعاً نقدياً للأصدقاء الكُتّاب. ومع الوقت، اكتشفت درايتي الكاملة بدهاليز سوق النشر وقنواته، وجاءت نقطة التحوّل عندما كنت أبحث عن ناشر لقصة رائعة كتبتها إحدى صديقاتي، فاكتشفت فجأة أني من يجب أن يقوم بهذا الدور، وقررت تحويل جهودي الودّية إلى مشروع رسمي.

أما عن الكتابة، فقد يكون فعلاً “مقصّ الرقيب النقدي” الذي أمارسه سبباً في خوفي، أو ربما لأني لا أشعر بامتلاك تلك الموهبة، وإن كان يستهويني مستقبلاً خوض تجربة كتابة السيناريو.

الكثير من الناشرين يواجهون تحديات مالية وصعوبات في الاستدامة، هل البيئة القرائية في المملكة اليوم محفّزة للاستثمار في النشر؟

سوق النشر لدينا لم ينضج اقتصادياً بالكامل بعد لضمان الاستدامة الذاتية. سوق النشر الحقيقي هو الذي يطبع من الكتاب الأول عشرة آلاف نسخة وتباع في الأسبوع الأول. ما ينقصنا هو حجم “القراءة الجادّة المستمرة”، القرّاء الحاليون يدعموننا ونستمتع بالعمل من أجلهم، لكن عددهم لا يكفي لتحقيق الاستدامة.

لذلك يظل الدعم الرعائي الحكومي صمّام أمان لاستمرار هذا القطاع، وهو أمر تشترك فيه أسواق الثقافة حول العالم بسبب ما يُعرف اقتصادياً بـ “فشل الأسواق”.

أصدرتم نحو 14 كتاباً في عامين، كيف استفدتم من مبادرة “ترجم” وماهي اللغات المستهدفة لديكم؟

بدون مبادرة “ترجم” التابعة لهيئة الأدب والنشر والترجمة، لم تكن لتوجد دور نشر ناشئة كدارنا، حيث تفتح المنصّة دورياً لفرز التقديمات بناء على جودتها وتوافقها مع رؤية الهيئة، ومن ثم يصرف الدعم مجزّءاً حتى صدور الكتاب.

تبدأ دورة النشر بالبحث عن وكيل الكاتب الأصلي وتقديم عرض مالي، تتبعه صيغة تعاقدية تمنحنا مهلة من 18 إلى 24 شهراً لإصدار العمل. وبخصو ص اللغات المستهدفة لدينا، فنحن نترجم من الإنجليزية، الإيطالية (سيرة بوفون)، الفرنسية (كلاسيكيات فيكتور هوغو وإيرين نيميروفسكي)، وقريباً الإسبانية.

ما هي المعايير في اختياركم للمترجمين؟

في السابق، كنا نواجه إشكالية في تباين جودة التراجم، وضياع الوقت والمال في إعادة صياغة نصوص ركيكة. لكن “جمعية الترجمة” قدمت خدمة جبارة عبر “شهادة المترجم المعتمد” التي ساهمت في ضبط السوق وفرز المترجمين الحقيقيين بناء على اختبارات ومسارات متخصصة.

أما على مستوى تجربتنا الشخصية في الدار، فنطلب من المترجم تقديم عمل خال من الأخطاء. فالمدقق اللغوي وظيفته معالجة السهو البسيط، وليس إعادة بناء النص. أما التحرير في الترجمة، فأنا أميل إلى المحافظة على روح الكاتب الأصلي وأسلوبه (حتى لو كان تقريرياً أو جافاً)، من دون محاولة “تغريبه” أو صبغه بالأسلوب العربي الخاص بالمحرر، لأن التغيير الزائد يُعدّ جناية على النص الأصلي.

ما الذي يجعل كتاباً مترجماً جذاباً ورائجاً دون غيره؟

المسألة تخضع لعوامل عدّة مثل التوقيت، والتسويق، وطريقة الترويج، ومنصات التواصل الاجتماعي. هناك “موضة وترندات” تظهر فجأة كالفنتازيا أو أدب الجريمة، وتظل الترجمة الجيدة هي الأساس. المحتوى الأصلي مهما كان بارعاً، إن كانت ترجمته سيئة ستقتل روح الكتاب ما يجعله يموت تجارياً.

بين تصريح مؤسس دار رشم لـ “الشرق” بأن دور النشر العربية لا تقوم بدورها الحقيقي في التحرير، ورد مؤسس دار تشكيل بأن هذا الكلام مغلوط تماماً؛ أين تقف أمل عبد العزيز؟

أقف في المنتصف. حصر الأمر في “دارين فقط” قد يكون مبالغة لغوية من صالح الحماد رغبة منه في تسليط الضوء على الإشكالية. فالواقع يقول إن هناك دور نشر جادة تحترم القارئ وتعمل على التحرير بعمق، وهناك دور أخرى لا تلمس النص وقد تمرر ترجمات مليئة بالأخطاء. الشفافية الإحصائية غائبة في السوق، وكل التقييمات الحالية تنبع من الخبرة والملاحظة الشخصية.

عندما يتواصل معي كاتب، أنظر لآلية عرضه لبياناته والاحترافية في صياغة البريد الإلكتروني كخطوة أولى قبل النص. وإذا قبلت العمل، لا تتجاوز نسبة تحريرنا وتعديلنا على المخطوطة 20% كتقديم فصول أو تأخير معلومات، لكي نحافظ على هوية المبدع. ويكون ذلك واضحاً في العقد، ولا يتم إصدار أي صفحة دون إرسال عينة تحريرية أولى وموافقة خطية من الكاتب.

كيف أثرّت القرصنة والتحوّل الرقمي والكتب والصوتية على سوق النشر، وهل هي مؤشر على اقتراب موت الكتاب الورقي؟

القرصنة مأزق محزن جداً، لأن تسريب الكتب قبل صدورها يضر بالصناعة، وتبرير البعض لها بأنها “نشر للمعرفة” هو عذر واهٍ لسرقة جهود الآخرين. في اعتقادي أن الحل يكمن في تسهيل الوصول للنسخ الإلكترونية الشرعية وبأسعار مقبولة.

أما التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي فهما قادمان بقوة، والكتب الصوتية والإلكترونية تفتح أسواقاً جديدة وتوفر ريعاً إضافياً للناشر. ونحن في “الآمال الكبرى” نضعها ضمن خططنا التوسعية للوصول لكافة فئات الجمهور.

ومع ذلك لا أتصور أن الكتاب الورقي سيموت أبداً، لارتباطه الإنساني العميق. صحيح أن الصحافة الورقية تلاشت، ولكن التجارب العالمية في أميركا وأوروبا أثبتت أنه بعد الاندفاع الكامل نحو “التابلت” في المدارس، تراجعت مهارات الطلاب، ما دفعهم للعودة إلى الطباعة والورق مجدداً، وتظل شهوة اقتناء الكتب، ومتعة الملمس قيمة لا تعوّضها الشاشات.

تقام في المملكة عدة معارض كتاب سنوياً، في رأيك هل هي فرصة أم عبء على الناشر؟ وما رأيك في الفعاليات الثقافية المصاحبة لها؟

أرى أن المعارض السعودية هي الأفضل، وتحديداً معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي يتربّع مع معرض القاهرة في صدارة المشهد من حيث الزخم والشغف الجماهيري. لكن التنقّل والشحن والدعاية بين المعارض المتعددة يمثل عبئاً لوجستياً ومالياً مرهقاً للناشر، والأفضل هو وجود موزّع وسيط.

أما فيما يخص الفعاليات الثقافية المصاحبة، فسأكون صريحة، نحن نفتقر حالياً إلى صناعة برنامج ثقافي حقيقي متجدد. باستثناء عام 2021 عند استضافة جمهورية العراق كضيف شرف. البرامج الحالية تعاني من استهلاك العناوين، وتكرار الضيوف، وضعف إعداد المحاور، فالمثقف القارئ لا يذهب للمسرح ليسمع كلاماً مستهلكاً يستطيع سماعه عبر وسائل التواصل.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : حسن رحماني Asharq Logo
معرف النشر : CULT-080726-545

تم نسخ الرابط!
4 دقيقة و 53 ثانية قراءة