ثقافة وفن

صور.. عمارة “واحة القطيف” تمزج روح الماضي وحداثة الحاضر

42cf95a5 b9cb 432f b146 ad8faaeb1023 file.jpeg

يتوقف السائحون أمام تنوع الهندسة المعمارية التقليدية القديمة في واحة القطيف، حيث يطلعون على نماذج من البنايات وتشكيلاتها ونقوشها التراثية المميزة، في بيئة تحتفظ بروح الماضي ومعاصرة الحاضر، وسط تبدل ملامح المدينة من البيوت التقليدية إلى العمارة الحديثة.

وفي محيطها الطبيعي، جمعت العمارة التقليدية في الواحة بين البيئة الساحلية والزراعية، لتقدم نموذجًا حيًّا للهندسة المستدامة المتكاملة وتجسيدًا ماديًّا لثنائية فريدة. كما أدى الموقع الاقتصادي تاريخيًّا دورًا حيويًا كمركز للتبادل التجاري والبحري وملتقى للقوافل في شبه الجزيرة العربية، فنجح البنّاء المحلي قديمًا، المعروف بـ “الأستاد”، في تحقيق توازن استثنائي بين استغلال الموارد المحلية المباشرة ومقاومة المناخ.

ومع تطور الحياة، جُلبت مواد إنشائية لم تكن متوافرة في البيئة المحيطة، ما جعل هذه البيوت شواهد تاريخية تحكي قصة حضارة، إذ يمتزج في الواحة البناء بين المواد التراثية والجماليات البصرية، وهوية بنائية تشكلت من مواد محلية كالصخور البحرية والمرجانية، والطين، والجص المحلي والنورة، وجذوع النخل، وساق البامبو، والجندل وغيرها.

وأوضح الباحث في التراث المحلي محمد المصلي أن الهياكل الأساسية والجدران السميكة لتلك المباني القديمة اعتمدت على الصخور الجيرية والمرجانية المستخرجة من قاع الخليج والمناطق الضحلة القريبة من الشواطئ، وتميزت بطبيعتها المسامية وخفتها، ما سمح للمبنى بالتنفس عبر امتصاص رطوبة الساحل الشديدة نهارًا وتخزينها، ثم تفريغها ليلًا على شكل بخار بارد ليحقق عزلًا حراريًا طبيعيًا فريدًا. وأضاف أن الطين اللزج يُجلب من العيون المائية الكثيفة والأراضي الطينية القريبة ليكون المؤونة المرنة التي تربط الأحجار وتتحمل الهزات وتغيرات الطقس دون تصدع، وتُغطى بالجص المحلي والنورة التي استخدمت لطلاء الجدران بلونها الأبيض الناصع لعكس أشعة الشمس الحارقة وتطهير الغرف من الحشرات والطفيليات، فضلًا عن توظيف منسوجات “الحصير” و”البارية” كطبقات عازلة تمنع تساقط الأتربة من الأسقف.

وبيّن المصلي أن البناء في المنطقة منذ القدم كان يعتمد في أخشابه على جذوع النخل، إضافة إلى جذوع شجر يزرع في جزيرة تاروت يسمى “الخطرة”، مكتسبًا هذا الاسم من دخوله في صناعة القوارب الصغيرة المستخدمة في التنقل بين الجزيرة ومحيطها، إلى جانب كونه أحد عناصر الإنشاء للمباني في الجزيرة وما حولها من بلدات في أسقف المنازل والدكاكين والساباطات.

وأوضح المهندس المعماري والمهتم بالتراث البنائي في القطيف مصطفى النمر أن للأخشاب الموجودة في أسقف تلك المنازل بصمة خاصة تمكن من معرفة زمن إنشاء المبنى، فترشدنا جذوع النخيل المحلية إلى عصر ما قبل ازدهار تجارة اللؤلؤ، أي ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، إذ كانت تقطع وتكيف بحسب الحاجة، وتسمى هذه العملية التسجين، والحرفي يسمى المسجن.

وبيّن أن استخدام أخشاب “الباسجيل” وهي شرائح من ساق البامبو الطويلة، والجندل “نوع من الأشجار” يدل على مرحلة عصر ازدهار تجارة اللؤلؤ، أي ما بين منتصف القرن التاسع عشر حتى عشرينيات القرن العشرين، إذ بدأ فيها استيراد تلك الأخشاب وغيرها من المواد من شرق إفريقيا وشرق آسيا والهند بالتزامن مع الأصباغ والألوان للعمارة المحلية، وفي هذه المرحلة بقي استخدام جذوع النخل للراغبين.

وأوضح النمر أنه بعد اكتشاف النفط في القرن الماضي تطور البناء، وبدأ الابتعاد أكثر عن بعض مواد البناء المحلية، إذ بدأ استخدام المرابيع وألواح الخشب المصنعة والحديثة في أسقف المنازل والمباني، ثم استبدلت بها لاحقًا الأسقف الخرسانية والعمارة الحديثة. ولفت إلى أن تلك المواد المحلية والمستوردة جمعت لتشكل في النهاية منظومة معمارية واقتصادية متكاملة أبرزت هوية المنطقة بشكل مميز باستخدام الأخشاب الفاخرة والنقوش الجصية والزخارف الهندسية المتقدمة على واجهات المنازل، ما يعكس بوضوح المقدرة المالية لمالك البيت وارتباطه بشبكات تجارة اللؤلؤ الإقليمية والعالمية السائدة آنذاك.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 1
المصدر الرئيسي : واس – الدمام Alyaum Logo
معرف النشر : CULT-200726-730

تم نسخ الرابط!
2 دقيقة و 47 ثانية قراءة