الإمارات

متقاعدون يعيدون اكتشاف قدراتهم ويطلقون مسارات جديدة للعطاء

Ec7c02bd c9d3 4574 b179 d2ab3664db8c file.jpg

متقاعدون يعيدون اكتشاف قدراتهم ويطلقون مسارات جديدة للعطاء

تجارب متنوعة تحكي قصصاً حية عن إطلاق مشاريع شخصية ومجتمعية في مرحلة ما بعد التقاعد. جميع من سردت قصصهم رفضوا اعتبار التقاعد نهاية للدور المهني أو الاجتماعي الذي امتلأت به سنوات حياتهم العملية، فبحث كل منهم عن مساحة جديدة للعطاء والإنتاج.

من هؤلاء خميس الكندي الذي استمر في خدمة مجتمعه بعد خروجه من السلك الشرطي، فأعاد تقديم نفسه إعلامياً عبر حساب صار من أبرز النوافذ المجتمعية في الفجيرة، والمعلمة عائشة الحمادي التي حولت خبرتها التربوية إلى دروس لتعليم الأطفال القراءة، ولبنى عبدالله التي اكتشفت شغفها بالرسم بعد 23 عاماً من العمل الحكومي.

وأكد مختصان أن الانتقال الناجح إلى مرحلة التقاعد لا يبدأ في آخر يوم من الخدمة، بل يتطلب استعداداً مبكراً وفهماً لما يُعرف بـ«سيكولوجية التقاعد»، إلى جانب وضع خطط مالية واجتماعية تساعد المتقاعد على بناء دور جديد يستثمر من خلاله خبراته وقدراته.

وتفصيلاً، نجح المواطن خميس خلفان الكندي من إمارة الفجيرة في إعادة توجيه حياته بعد التقاعد، إذ انتقل من العمل في السلك الشرطي إلى مجال الإعلام المجتمعي، مستثمراً سنوات خبرته وقربه من الناس في حضور إعلامي يواكب تفاصيل الحياة اليومية في الإمارة.

أسس الكندي، في أواخر عام 2018، حساب “الفجيرة مباشر” الذي انطلق بجهد شخصي ثم توسع تدريجياً ليصبح نافذة محلية يتابع من خلالها المجتمع أخبار الإمارة وفعالياتها ومناسباتها.

لم يحصر الكندي الحساب في نقل الأخبار فحسب، بل جعله مساحة قريبة من الناس يشاركهم أفراحهم ومناسباتهم، ويعرّف بقصصهم ومبادراتهم، ويسلط الضوء على الفعاليات الإنسانية والمجتمعية والرياضية والثقافية في مختلف مناطق الإمارة.

ساهم “الفجيرة مباشر” كذلك في إبراز جهود الجهات الحكومية والخاصة، ونقل مبادراتها وخدماتها وإنجازاتها إلى الجمهور، حتى بات من أبرز الحسابات التي يتابعها المجتمع المحلي وحلقة وصل تعكس حركة الإمارة وما تشهده من فعاليات وأعمال ميدانية.

وبالإصرار والاستمرار استطاع الكندي أن يثبت حضوره في المشهد الإعلامي المحلي، فانتقل من متقاعد أنهى سنوات في السلك الشرطي إلى إعلامي مجتمعي بارز، مقدماً مثالاً على قدرة المتقاعد على بناء مسار مهني جديد ومواصلة خدمة الناس بشكل مختلف.

ومن فصل اللغة العربية إلى مجموعات تعليم الأطفال القراءة، واصلت المعلمة المتقاعدة عائشة الحمادي رسالتها التربوية بعد انتهاء خدمتها، محولة خبرتها الطويلة في التعليم إلى عمل يعالج ضعف بعض الطلاب ويساعدهم على تطوير مهاراتهم اللغوية.

قالت الحمادي إن تقديم الدروس الخاصة لم يكن مخططاً عند التقاعد، لكن الفكرة بدأت عفوياً عندما لاحظت ضعف بعض أبناء العائلة في اللغة العربية وبعض المواد الدراسية، لكونهم يدرسون في مدارس خاصة.

وأضافت أنها تطوعت لتدريسهم خلال عطلات نهاية الأسبوع، مستفيدة من خبرتها في تبسيط المعلومات والتعامل مع مستويات الطلاب المختلفة، قبل أن تلاحظ تحسناً في مستواهم وإقبال أطفال آخرين على الانضمام إلى الدروس.

وأوضحت أن التجربة بدأت ضمن نطاق عائلي محدود ثم توسعت مع تزايد أعداد الطلاب الراغبين في الاستفادة، ما دفعها لتنظيم مواعيد التدريس وتخصيص مكان مناسب لاستقبالهم ومتابعة احتياجاتهم التعليمية.

وأشارت إلى أنها واجهت فراغاً كبيراً في الفترة الأولى بعد التقاعد، ولم تستطع التكيف مع الجلوس بلا عمل أو إنتاج بعد سنوات من الحضور اليومي في المدرسة والتفاعل المستمر مع الطلبة، مؤكدة أن الدروس الخاصة لم تكن مجرد شغل للفراغ بل امتداداً لمسيرتها التعليمية.

أما لبنى عبدالله فوجدت في التقاعد فرصة لاكتشاف اهتمامات لم تستطع ممارستها أثناء العمل؛ فبعد تقاعدها عام 2020 بعد 23 عاماً في جهة حكومية التحقت بورش لتعلم الرسم ولا تزال تمارس هذه الهواية، مؤكدة أن التجربة لم تطور مهاراتها الفنية فحسب بل منحتها أيضاً علاقات اجتماعية جديدة.

كما التحقت بدورة لتحفيظ القرآن الكريم وتمكنت من حفظ ستة أجزاء، وما تزال تسعى لاستكمال الحفظ.

واقترحت بعض الأصوات توفير فرص عمل مرنة للمتقاعدين تشمل وظائف جزئية والعمل عن بُعد عبر منصات رسمية تشرف عليها الجهات المعنية، بما يتيح لهم استثمار خبراتهم ويدعم استقرارهم المالي ويحميهم من الوقوع ضحايا إعلانات وهمية تتعلق بالوظائف.

وعلى الرغم من أن سعيد إسماعيل لم يبلغ التقاعد بعد، فقد بدأ الاستعداد لهذه المرحلة قبل نحو عامين، بعدما أدرك أن الانتقال الآمن من الراتب الوظيفي إلى المعاش التقاعدي يحتاج إلى خطة طويلة المدى لا إلى قرارات تُتخذ في السنوات الأخيرة من الخدمة.

وقال إسماعيل (39 عاماً) الذي أمضى 14 عاماً في وظيفة ميدانية إنه يعمل على تنويع مصادر دخله حتى تكون مرحلة التقاعد مستقبلاً سهلة ومستقرة، ولا يؤثر تغير الدخل سلباً على احتياجات أسرته والتزاماتها الأساسية.

وأوضح أن الدافع الأكبر وراء تخطيطه المبكر هو ضمان توفير احتياجات طفليه من أصحاب الهمم، وخصوصاً جلسات العلاج والتقييمات المستمرة المرتبطة بحالتيهما.

من جانبه، أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور أحمد العموش أهمية فهم ما يُعرف بـ«سيكولوجية التقاعد» أو علم نفس التقاعد، القائم على استيعاب طبيعة مرحلة ما بعد العمل والاستعداد للتغيرات النفسية والاجتماعية والصحية المصاحبة لها.

وأوضح أن الموظف يحتاج إلى إدراك أن المسيرة المهنية مهما امتدت ستصل في مرحلة ما إلى نهايتها، ومن ثم ينبغي وضع تصور واضح لحياته بعد الخروج من العمل.

وأشار إلى أن بعض الأشخاص يخططون لمستقبلهم منذ بداية حياتهم المهنية، ويحددون مدة متوقعة للعمل بـ20 أو 25 عاماً بحسب جهة العمل ونظام التقاعد، بالتزامن مع تكوين مدخرات ووضع خطط للسفر أو تغيير مكان السكن أو ممارسة أنشطة جديدة.

وأضاف أن تعلق بعض الموظفين بالعمل قد يستمر حتى آخر يوم في الخدمة، وعندما يغادرونه فجأة قد يتعرضون لصدمة نفسية نتيجة فقدان الروتين اليومي والدور المهني والعلاقات المرتبطة ببيئة العمل.

ولفت إلى أن عدم الاستعداد لهذه المرحلة قد يؤثر في حياة المتقاعد وصحته، ويزيد الضغوط النفسية لدى المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، خصوصاً عند غياب خطة واضحة تملأ الفراغ الذي تتركه الوظيفة.

وأشار إلى أن المحيط الاجتماعي قد يسهم أحياناً في تعميق شعور المتقاعد بفقدان القيمة عندما يُنظر إليه على أنه لم يعد يؤدي دوراً بعد خروجه من العمل، فيما يربط بعض الأفراد تقديرهم لذواتهم بالوظيفة أو المنصب الذي كانوا يشغلونه.

وأكد العموش أن قيمة الإنسان لا تنتهي بانتهاء وظيفته، وأن التقدير الذاتي لا يجب أن يرتبط بالمسمى المهني وحده، مشدداً على أهمية دعم الأسرة والأصدقاء والجيران وجهة العمل في مساعدة المتقاعد على التكيف مع نمط حياته الجديد.

بدورها، قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي إن الاستعداد للتقاعد يجب أن يبدأ خلال سنوات العمل من خلال بناء تصور متكامل للحياة المستقبلية يشمل الجوانب الشخصية والاجتماعية والمالية، وتحديد الأنشطة أو المجالات التي يمكن الانتقال إليها بعد انتهاء الخدمة.

ودعت إلى تنظيم ورش للموظفين أثناء الخدمة لتعريفهم بطبيعة مرحلة التقاعد ومتطلباتها وإعدادهم للانتقال إليها تدريجياً، مشيرة إلى أن كثيرين لا يبدأون التفكير في حياتهم بعد الوظيفة إلا عند اقتراب موعد التقاعد.

وأكدت أن فهم مرحلة ما بعد العمل لا يقل أهمية عن معرفة متطلبات الوظيفة نفسها، إذ يحتاج الموظف إلى استعداد نفسي واجتماعي، وتحديد اهتماماته المستقبلية، وبناء شبكة علاقات وأنشطة لا تعتمد بالكامل على بيئة العمل.

وحذرت الكندي من إغفال الجانب المالي، مشيرة إلى أن كثيرين ينتقلون من راتب وظيفي مرتفع إلى معاش تقاعدي أقل دون تعديل نمط الإنفاق أو الاستعداد لهذا التغير، ما قد يؤثر على التزاماتهم الأسرية واستقرارهم النفسي.

ودعت الموظفين إلى وضع خطة زمنية ومستقبلية ومالية قبل انتهاء الخدمة بوقت كافٍ تشمل إدارة المصروفات وتكوين مدخرات وتحديد الأنشطة أو الأعمال التي يرغبون ممارستها، بما يضمن انتقالاً أكثر استقراراً إلى مرحلة التقاعد.

وأكدت أهمية انخراط المتقاعدين في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية لما لذلك من أثر إيجابي في الحفاظ على الصحة النفسية، وتعزيز شعورهم بالإنجاز والانتماء والقدرة على التأثير.

وأشارت إلى أن المؤسسات الخاصة والمستشفيات والجهات المجتمعية يمكنها الاستفادة من خبرات المتقاعدين كل وفق تخصصه واهتماماته، مؤكدة أن العمل التطوعي يساعدهم على بناء روتين جديد وتكوين علاقات اجتماعية متجددة ومواصلة أداء دور فاعل في المجتمع.


عدد المصادر التي تم تحليلها: 2
المصدر الرئيسي : سمية الحمادي – الفجيرة مريم فيروز – دبي
معرف النشر: AE-080826-385

تم نسخ الرابط!
5 دقيقة و 56 ثانية قراءة