خلقت حكومات العالم ما يمكن وصفه بـ”وحش مالي” تتجاوز كلفته تريليوني دولار سنوياً، يتمثل في أعباء خدمة الديون السيادية التي تستهلك جزءاً متزايداً من الإيرادات الضريبية وتفرض ضغوطاً على صناع القرار، بحسب تقرير في صحيفة فاينانشال تايمز. في المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، بات الإنفاق على فوائد الدين العام يفوق الإنفاق على الدفاع، وهو واقع يتكرر أيضاً في أكثر من اثنتي عشرة دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
تكمن المشكلة في أن تكاليف الاقتراض ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين، بالتزامن مع مستويات قياسية من الديون الحكومية. فقد تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي حاجز الـ40 تريليون دولار الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. ويُتوقع أن تقترض دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجتمعة نحو 18 تريليون دولار خلال العام الجاري، فيما تجاوزت فاتورة خدمة ديونها تريليوني دولار في عام 2025، بما يعادل 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
تسببت موجة بيع السندات التي بدأت منذ أزمة كورونا في رفع العوائد، إذ وصل متوسط عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات في دول مجموعة السبع إلى 4 بالمئة للمرة الأولى منذ عام 2008، وسط مخاوف من الآثار التضخمية للحرب مع إيران والارتفاع الكبير في الطلب على التمويل من الحكومات والشركات، خصوصاً شركات التكنولوجيا. ويقول مايك ريدل، مدير صناديق في “فيديلتي إنترناشيونال”: “هذه الديون السيادية الضخمة تحتاج إلى إعادة تمويل بمعدلات فائدة تتزايد باستمرار. المستثمرون العالميون بدأوا بالفعل يشعرون بالقلق”.
في الاقتصادات الكبرى المثقلة بالديون وضعف النمو، مثل بريطانيا وفرنسا، أصبحت تكاليف خدمة الدين عاملاً حاسماً في إدارة المالية العامة. ففي بريطانيا ساهم الارتفاع الحاد في عوائد السندات عام 2022 في الإطاحة بليز تراس بعد موازنات تضمنت تخفيضات ضريبية غير ممولة، وأصبح الآن مدفوعات الفائدة السنوية للدين البريطاني نحو 110 مليارات جنيه إسترليني. أما فرنسا فشهدت تعاقب ثلاثة رؤساء وزراء منذ الانتخابات البرلمانية لعام 2024. ويقول وزير المالية البريطاني جون هيلي: “لو كانت فوائد الدين وزارة مستقلة، لأصبحت ثاني أكبر وزارة في وايتهول بعد الصحة، وأكبر من الدفاع والداخلية والعدل مجتمعة. ليس هناك شيء تقدمي في إنفاق جنيه واحد من كل عشرة جنيهات على فوائد الدين”.
يقترب إجمالي حجم الديون الحكومية وديون الشركات عالمياً من حاجز 300 تريليون دولار، وفقاً لمعهد التمويل الدولي. ويشير خبراء إلى أن الاضطرابات السياسية أضافت كلفة على المدفوعات، فيما تقول شركة “أليانز” إن الهشاشة السياسية منذ 2022 أضافت نحو 100 مليار يورو إلى مدفوعات الفائدة في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا.
أحد أكبر المخاوف هو دخول دول في “حلقة مفرغة” حيث ترفع فوائد الدين العجز والدين فتطالب الأسواق بعوائد أعلى. ويقول نيل ميهتا، مدير المحافظ في “آر بي سي بلو باي”: “السياسيون لا يريدون اتخاذ خيارات مؤلمة لأنهم يعلمون أنهم قد يخسرون الانتخابات التالية إذا فعلوا ذلك”.
الخروج الممكن يشمل “القمع المالي” أو قفزة إنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، لكن التاريخ يشير إلى أن ضبط الإنفاق واجراءات مؤلمة غالباً ما تكون مطلوبة. وتتحذّر تاتيانا غريل كاسترو، رئيسة الاستثمارات العالمية في “موزينيتش”: “المشكلة أن الأسواق لا ترى إرادة سياسية حقيقية للسيطرة على الدين. وإذا لم يتم احتواؤه، فسيزداد سوءاً بمرور الوقت، وفي النهاية قد ينتهي الأمر بأزمة”، وفقا لفاينانشال تايمز.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 8
المصدر الرئيسي : Skynews ![]()
معرف النشر: ECON-080926-508

