“إذا رأيت أحدًا على منصات التواصل الاجتماعي يخبرك كيف تجني المال فاعلم أنه يكذب”، تختصر هذه العبارة فلسفة الملياردير الأمريكي مارك كوبان، المستمدة من عقود من الخبرة العملية في عالم الأعمال، والتي بدأت منذ طفولته عندما كان يبيع أكياس القمامة ليجمع ثمن حذاء رياضي.
لا يرى كوبان أن هناك وصفة سريعة أو استثمارًا سحريًا لبناء الثروة، بل يؤكد أن الأمر يتطلب انضباطًا ذاتيًا وعملًا مستمرًا؛ فالمجهود هو المتغير الوحيد الذي تستطيع السيطرة عليه، وأن السعي لتصبح خبيرًا في مجالك يمنحك ميزة تنافسية لا يمتلكها معظم الناس.
تمثل مسيرة كوبان نموذجًا فريدًا لصعود ثري لم يولد في أحضان ثراء؛ فقد حوّل رؤية استباقية وشغفًا بالابتكار إلى كيان اقتصادي يتخطى النماذج التقليدية، مع إدراكه المبكر أن الثروة اليوم لا تقاس فقط برأس المال المادي بل بـ”رأس المال الفكري” الذي أصبح العملة الأهم في عالم الأعمال.
يعتبر كوبان أن نقطة البداية المثالية لأي مشروع هي ألا يكون لديك ما تخسره؛ ففي عام 1983 كان على حافة الانهيار عندما أسس شركة “مايكروسوليوشنز” التي مهدت طريقه إلى نادي المليونيرات، إذ كان يتشارك أرضية شقة مع ستة أصدقاء، قبل أن يبيع الشركة بعد سبع سنوات لشركة CompuServe مقابل ستة ملايين دولار.
تنبأ كوبان بأهمية الإنترنت مبكرًا، فأسس عام 1995 مع صديقه تود واغنر شركة للبث الرقمي اعتبرها السوق حينها غير عملية، ثم تحولت لاحقًا إلى منصة لبث الفعاليات الرياضية على الشبكة، وحققت نجاحًا دفع شركة ياهو للاستحواذ عليها عام 1999 مقابل ستة مليارات دولار.
ورغم ثرائه لم يتخلَّ كوبان عن أسلوب حياة متواضع مقارنة بأقرانه؛ فقد كان يشتري أقل المنازل جودة في أفضل الأحياء، ويبتعد عن مظاهر الرفاهية وشراء السيارات الفاخرة والسلع الباهظة، كما امتنع عن وجود خدم في المنزل حفاظًا على خصوصيته ولتفادي الإسراف.
يحذر كوبان من الاعتماد على من يطلقون على أنفسهم “معلمي الأعمال” أو مستشاري ريادة الأعمال الذين يبيعون أفكارًا استثمارية، مؤكِّدًا أنه لو كانت هذه الأفكار ذات جدوى فعلية لكان الأصح أن يحتفظوا بها ليطلقوا مشاريعهم الخاصة بدلًا من بيعها وإعادة بيعها للغير.
ويشير إلى أن هؤلاء ينتجون منافسة مباشرة لرائد الأعمال عندما يروجون لنفس النموذج الاستثماري على نطاق واسع، معتبراً أن دخول سوق مزدحم بمنتَجين ينفذون نفس الفكرة هو خطأ استراتيجي جسيم يجب تجنبه.
في المقابل، يدعو كوبان إلى احتضان الذكاء الاصطناعي، معتبرًا إياه أكبر “ديمقراطية معرفية” لأنه يتيح التعليم والوصول إلى المعلومات للجميع؛ ويقدم نفسه مثالًا على استخدامه في شتى مجالات حياته، موضحًا أن الناس في عصرنا ينقسمون إلى مستغلين أذكياء وكسالى متجاهلين، وأن الذكاء الاصطناعي سيغير طرق العمل والإبداع دون أن يستبدل الوظائف كلها، فهو أداة قوية لمن يتقن استخدامها.
تقدم تجربة مارك كوبان قراءة واقعية لتكوين الثروة في الاقتصاد الحديث: الاستثمار الناجح لا يحتاج بداية بملاءة مالية ضخمة، بل إلى رأس مال فكري ونموذج عمل قادر على رصد التحولات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي والتكيف معها مبكرًا.
تجربته من بيع أدوات بسيطة في البدايات إلى صفقات بالمليارات تؤكد الفرق بين “صناعة القيمة” بالعمل والابتكار المستمر، وبين الانجرار خلف “تجارة الأوهام” التي تروجها منصات التواصل؛ فالأسواق لا ترعى من يفتقرون لميزة تنافسية حقيقية.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 4
المصدر الرئيسي : محمد طيفوري ![]()
معرف النشر: ECON-140926-781

