كشفت دراسة بارزة عن فهم جديد للموطن الأصلي المحتمل للخفافيش قبل 65 مليون سنة؛ إذ تشير النتائج إلى أنها نشأت في أوروبا، وليس في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا الشمالية كما كان يُعتقد سابقاً.
وقد تحدت الدراسة -التي نُشرت يوم الأربعاء في دورية “نيتشر” (Nature)- الفرضيات السائدة حول أصل الخفافيش، وسعت إلى سد الثغرات في التاريخ التطوري لهذه المخلوقات الفريدة.
وتُعد الخفافيش الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران الحقيقي والمستمر، كما أنها تستخدم تحديد الموقع بالصدى للصيد في الظلام، ولديها قدرة على تحمل الأمراض دون أن تمرض؛ وهي سمة يعتقد العديد من العلماء أنها قد تحمل مفاتيح هامة للطب البشري.
ويُعد هذا البحث الجديد أضخم دراسة تجمع بين تحليل الجينوم (المادة الوراثية) والأحافير الخاصة بالخفافيش حتى الآن؛ إذ تطلب إنجازه نحو عقد من العمل الجماعي بمشاركة 137 باحثاً من 64 دولة لفهم هذه الكائنات بشكل أفضل، حسبما أوردت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.
وقد فحصت الدراسة 103 جينومات و44 أحفورة، ممثلةً لكل واحدة من عائلات الخفافيش ال 21 المعترف بها حالياً. كما حدد الباحثون بدقة أصل قدرة هذه الثدييات على الطيران.
وقالت إيما تيلينغ، الشريكة المؤسسة والمديرة المشاركة لائتلاف “Bat1K” (الذي قاد الدراسة): “أردنا دمج بيانات الكتل الأرضية وكيفية تغيرها، وأردنا أخذ حقيقة قدرة الخفافيش على الطيران في الاعتبار؛ وهذا ما قمنا به لأول مرة… ومن ثم تمكنا من تتبع أنماط طيرانها وأماكن تطورها”.
وأكد العلماء أن هذا الجهد الهائل كان يستحق العناء؛ فالخفافيش -كما يرى الباحثون- تمثل كنزاً علمياً، إذ تشكل أكثر من خُمس جميع أنواع الثدييات الحية، بوجود ما يقرب من 1500 نوع منها.
وقد قاد هذا العمل ائتلاف “Bat1K” الذي أسسته تيلينغ وسونيا فيرنز عام 2017، بهدف جمع علماء الخفافيش من جميع أنحاء العالم للعمل على تسلسل الجينوم لجميع أنواع الخفافيش الحية.
ووصف جو والستون -رئيس قسم الحفاظ على الحياة البرية عالمياً في “جمعية الحفاظ على الحياة البرية” (Wildlife Conservation Society)، والذي قضى 25 عاماً في دراسة الخفافيش في وسط أفريقيا وجنوب شرق آسيا- هذا العمل الأخير بأنه “خطوة كبيرة إلى الأمام” في مجال أبحاث الخفافيش.
قال والستون -الذي لم يشارك في الدراسة-: “إنها لا تجيب على كل الأسئلة وليست حاسمة، لكنها تمنحنا فهماً أوسع بكثير لتاريخ الطيران لدى الكائنات البرية، فضلاً عن بعض التطورات المبكرة لآلية تحديد الموقع بالصدى… وكيف وأين ولماذا تمتلك هذه المجموعة من الأنواع الاستثنائية مثل هذه المهارات والمواهب والقدرات التي نود -وسنحتاج- إلى فهمها بشكل أكبر”.
تعيش أنواع معينة من الخفافيش لما يصل إلى 20 أو 30 عاماً، متفوقة بذلك على الثدييات المماثلة لها في الحجم.
كما أنها تمتلك أجهزة مناعية ذات مقاومة فريدة تتيح لها حمل فيروسات خطيرة (مثل الإيبولا وماربورغ وفيروسات كورونا) دون أن تمرض. ووفقاً لوالستون وخبراء آخرين، فإنها تتمتع بمقاومة نادرة للسرطان.
وأضاف والستون: “أعتقد أن العالم يجب أن يولي اهتماماً خاصاً بالخفافيش؛ ليس فقط لكونها كائنات مميزة وفريدة للغاية في عالم الحياة البرية -وهذا وحده سبب كافٍ يدعونا للحفاظ عليها- بل أيضاً لأنها تنطوي على إمكانات هائلة لخدمة البشرية وتحسين أحوالها”.
أما نانسي سيمونز -التي تدرس الخفافيش وتطورها منذ 35 عاماً- فقد ساهمت في توفير بعض بيانات الدراسة، حيث قدمت عينات من أنسجة الخفافيش جمعتها خلال أبحاثها في بليز، بالإضافة إلى مجموعة من السمات المظهرية وبيانات الحفريات التي ساعدت الباحثين في بناء أشجار التطور.
وأوضحت أن الحصول على أدق الجينومات وأعلاها جودة -دون فقدان أي معلومات ضرورية لتكوين تسلسل كامل- كان يتطلب تقديم تضحيات.
وقالت: “نخرج إلى الميدان ونصطاد الخفافيش؛ ومعظم الأنواع المشمولة في هذه الدراسة هي أنواع شائعة نسبياً، لذا قد نصطاد العشرات منها في رحلة ميدانية واحدة، فنقوم بإنهاء حياة أحدها بطريقة رحيمة ثم نجمع أكبر قدر ممكن من الأنسجة منه”.
وأشارت سيمونز إلى أن هذه هي الطريقة المثلى لتحقيق الهدف العام للمشروع؛ إذ أتاح امتلاك جينومات كاملة إجراء مقارنات مباشرة بين الأنواع المختلفة.
لقد سعى الباحثون من خلال هذه الدراسة إلى توفير مصدر مركزي للبيانات المتعلقة بجميع أنواع الخفافيش، مما يمهد الطريق لإجراء أبحاث متخصصة مستقبلاً حول الأنواع المختلفة وأدوارها الحيوية في بيئاتها.
ويؤكد الخبراء أن الخفافيش تلعب دوراً محورياً في النظم البيئية، إذ تساهم في مكافحة الآفات، وتلقيح النباتات، ونشر البذور.
تقول سارة أولسون، وهي إحدى مؤلفات الدراسة وعضو في “جمعية الحفاظ على الحياة البرية”، إن أحد الأنواع – وهو خفاش الفاكهة المطرقي الرأس – يتميز بخطم منتفخ ومستطيل يجعله يبدو أشبه ب “حيوان الموظ المجنح”.
وخلال دراستها لهذه الكائنات في جمهورية الكونغو، رصدت أولسون هذه الخفافيش وهي تحمل الفاكهة في أفواهها (جدير بالذكر أن الخفافيش تظهر أيضاً في العديد من مقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت وهي تتناول الفاكهة).
وتضيف أولسون: “إنها بمثابة مهندسي الغابات المطيرة؛ فهي تنقل البذور من مكان لآخر، وتعمل عمل المزارعين أو ناشري البذور لتلك الغابات المطيرة التي نراها، وللثمار الرائعة التي تقتات عليها وتساهم في نشر بذورها”.
لقد ساهمت أولسون ببعض الأبحاث في هذه الدراسة، ووصفت عملية البحث بأنها أشبه بتركيب أحجية، حيث نجحت الدراسة – عند نشرها – في وضع بعض قطع هذه الأحجية في مكانها الصحيح أخيراً.
قالت عن البحث: “إنها حقاً قصة رائعة للتعاون على أصعدة متعددة”.
عدد المصادر التي تم تحليلها: 3
المصدر الرئيسي : الرياض: العربية. نت ![]()
معرف النشر: MISC-240926-866

